بما أن الساحة الأدبية تسِعُ الجميع، ولا حكر لأديب على الآخر بايقافه أو منعه أو طرده حتى ما إن كان هشًا أو ركيكا أو ذو توجّه غير أخلاقي. وعليه؛ لابد للمرء أن يدلي بدلوه في هذا الموضوع، ولو كان على حساب نفسه. منذ الأبد البعيد لايزال الفكر حرًا طليقا، وبما أنه وليد عزلة معرفية وعلمية لعقود من الزمن، أطلق عليه الإغريق مصطلح فلسفة، وتوارثنا ذلك عبر العصور القديمة إلى يومنا هذا. حتى ذاع صيت المعرفة أرجاء المعمورة، لينهض بأمم ويُسقط أمما عاثت في الأرض فسادًا وجورا أو سلطانا يحمل نسبية التحكم في زمام التقدم والتحضر. هذا ما بيد لي في فلسفة أفلاطون حين كنت أحاول تحليلها وفهم فلسفة ميكافيلي، وكتبت بشأن هذا أسطرا أسميتها بخصومة أفلاطون وميكافيلي!! وذهبت بكلماتي البسيطة إلى أن الفلسفة تخاصم بعضها وتختزل الزمن، وإن لكل إمرئ ما كسب، وعليه كانت الفلسفة عبر التاريخ إما شيطانا يضع منهجية مبتذلة وإما عقلا ينادي بالقوّة والإنسانية في آن واحد، يحافظ على فطرته ليضع مكسبا للبشرية جمعاء. ويبني حضارة إنسانية شاملة، متجانسة ومتناسقة كما فعلها حبيبنا صلوات الله عليه وسلم. كذلك وجدنا أنفسنا أمام علم الإجتماع، الذي يدرس الإنسان ماهية الفرد والأسرة فالمجتمع، فثمّ السلطة والدولة، إلى أن يصل إلى دراسة الأمم والشعوب كافة. ليكون المختص حينها محللا خلاقّا، مدركا بالواقع ومميزاته، والعقليات ومتطلباتها بمساوئها وإيجابياتها. كما حدث مع المفكر ماسلو الذي أسس منهجية متطلبات الإنسان وحاجياته، ليلد من صلب علم الإجتماع علم الإقتصاد، الذي يهتم بشؤون العامة والخاصة، بالثروات المادية والبشرية، بالقدرة على التدافع بين أفراد الأسرة الذين يكونون مجتمعا، وبلغ في دراسته ديموغرافية الدول واحتكار المفاهيم العامة للفلسفة، كما حدّثنا أدام سميث الذي وضع قانونا تسير عليه الأمم لقرون من الزمن أطلق عليه اسم " دعه يعمل .. دعه يمّر "، مما جعل كارل ماركس يفعل ما بوسعه لإخراج الشعوب من مأزق التبعية لهؤلاء السادة الذين اتبعوا سميث. ونجح في وضع سيطرة على الأمراض النفسية الذي نتجت عن الرأسمالية، بمحاربة أسس الطبقية الدنيئة!! حتى خرج من بطون علم الإجتماع والإقتصاد إختصاص يهتم بماهية الفرد فقط. سُميّ بعلم النفس؛ وتفادى الخلط بين الكل والجزء، وعبّر عن علمه بأن يدفع بالمرء إلى الأفضل، بإيجاد حلول طويلة المدى أو قصيرة على حسب المرض او المعضلة!! وكان ذلك من طرف سيغموند فرويد الذي كان يهتم بالأدب الروسي كثيرا!! مما جعله يفكك الأنا والهو والأنا العليا. قناعتي تقول: بأن الأدب أدب قبل أن يكون أدبا. لكن البنية المعرفية التي يكسبها الإنسان خلال حياته التي تسمى ثقافة، وتنتج عن تلك الثقافة حيوات يعيشها الإنسان بين الكدّ والجدّ تسمى بالأدب أيضا، لذلك لو نأخذ مثالا عن رواية العظيم الفرنسي فيكتور هيجو البؤساء، فنجدها ليست رواية إجتماعية وحسب، بل رواية تاريخية وفلسفية، نحاول دراستها بعد قرنين من الزمن لإدراك ذلك العصر بما فيه وما عليه. من هذا المنطلق، أجدني مع بعض ممن يؤمنون بأن الأدب تاريخٌ، يعارضون #الكِتَاب_الجامع معارضة شرسة. لا من باب أننا ضد النجاح وقطع الوصال مع من يريدون أن يكتبوا أسمائهم عند وزارة الثقافة، أو ضد دور النشر التي تسعى إلى تحريك عجلة الحرف الجزائري. حاشا لله. بل، لأن الإدراك المعرفي أساس من أسس الكتابة الحقيقية من وجهة نظري، فكثيرا ما ٱكتب وأحذف عشرات المرات كي لا أظلم نفسي وأظلم الأدب وأظلم القارئ معي. ففي حقيقة الأمر، الأدب مسؤولية عظيمة على عاتق الأديب، وما إن كانت الخواطر لاتزال جدلا بين الأدباء عن كونها جنسا أدبيا أو لا، هذا يدفع بالمرء إلى القراءة أكثر والتريث قدر المستطاع، كي يُلّم بالموضوع أكثر. فيهتدي إلى كتابة نصوص بمعنى عميق، يستطيع أن يكون جسرا للمستقبل. فالأدب في مجمله إلمام بما يحدث في الواقع، وما إن انتهج الكاتب منهجا غير الواقعية في كتاباته، كان له أسسا في مجاله لابد له من السير عليها مرغما، وما إن تمكن من تلك القواعد والأسس فخرق القانون كان مبدعا كتبه التاريخ.
• بقلم الكاتب الجزائري: عبد الرؤوف زواوي.