الثلاثاء، 2 يونيو 2020

أسماء بلغاشم: ريشة فن الكتابة في فن آخر..

الكتابة ليست حلما، ليست هدفا، ليست مشروعا ولا أكسجينا كما يعتبرها بعضهم فالأكسيجين نابع من الطبيعة والكتابة تكمن في عمق الروح أي نابعة من داخل الفرد، بل هي الحل الوحيد في يد المنهزم ليستدرك قِواه، هي البطاقة الوحيدة فوق طاولة الرهان، لا أحد اتخذها خليلةً دون سبب.
تكتب لترتاح؟ نعم، لا نقول العكس ولكن لا تسبق اسمك بكلمة ''كاتب'' بمجرد كتابة سطر أو سطرين، تعبير أو فقرة... لا، فالكتابة فن، حالها حال الأنثى تحتاج لأنامل تداعب خصلات شعرها وتمسح دمعها في غيمة الحزن؛ هكذا هي.. كالإنسان تحتاج للاهتمام، لصبر، لغذاء، لهواء، لمن يتقنها.. الكتابة فن ـ فما الفن؟ وما الكتابة؟ 

• الفن: 

هو كلمة استعملت لترجمة الجوهريات الداخلية في عمق كل شيء، هو الإبداع الذي يميز الشخص عن غيره، ويدل على الابتكار الذي ينقل القدرة الشخصية المكنونة من التقليد إلى التجديد، يشمل الجمال، الأسلوب، البحث عن الكمال وهذه النقطة أهم ما يشكل الفنان الذي بطبعه يبقى جائعا طلبا في المزيد، لا يرضيه عمله ولا يُعجب به، لأنه على يقين تام بأن الأعين الحاكمة هي الجمهور المشاهد.

حين أبدع الفنانون المشاهير مثل دافنشي، تونتوريتو، مايكل آنجلو وغوخ في رسم لوحاتهم المشهورة بكيفية إبداعية جذبت الناظرين لم يكن بالضرورة يرضى الرسام نفسه النتيجة، بل ما يهمه هو الوهج الباسم الذي تخطفه عين المارة من اللوحة وهنا يكمن معنى الفن أي الإبداع والابتكار لا التقليد.

يرى تولستوي الفن الحقيقي هو أن تنقل إلى غيرك ما تحس به في نفسك وتأثرت به تأثُّرًا عميقاً، والفرق بينه وبين الزائف من الفن، أن يشعر الفنان حقاً في أطواء نفسه ما يريد أن ينقله إلى غيره، وأن يبلع من قوة الأداء ما يؤثر في غيره بحيث يجعله شريكا له في إحساسه".. 

"الفن الزائف ذلك الذي لا ينبعث من شعور حقيقي في النفس، هو وليد التقليد والرغبة في كسب المال والشهرة أو تملق عواطف الجمهور، ويبدأ من حيث ينتهي الإلهام وقوامه الكذب والطلاء الخادع"، مع الأسف واقع الأدب العربي الحالي زائف لكثرة الكتاب المراهقين.

تعددت الفنون فاندرجت منها الفنون القولية التي تتخذ من الكلمة أداتها الأساسية بما فيها الكتابة هي لغة النطق الصامتة، اللغة التي اهتدى إليها الإنسان لصعوبة تفهمه وتحاوره مع العالم الخارجي، هي حروف منحوتة بحبر جاف فوق ورق يترجم رسالة معينة، بدأت منذ الأزل عند الإنسان الحجري على شكل رموز منقوشة على الحجر ''كرسم بقرة وبعدها رمح'' لشرح ما سيقوم به ألا وهو الصيد، ثم انتقل إلى الكتابة الواعية على الخشب، جلد الحيوان ومن ثم الورق مع بداية القرن الثاني ميلادي، و من هذه الانطلاقة بدأت الكتابة والتدوين يشقان وجهتهما نحو التطور والبزوغ إلى أن وصلت لمَا يسمى بـ "فن الكتابة".

• تتمثل الفنون القولية في:

1-فن الشعر.
2- فن القصة.
3- فن الرواية: والرواية هي فن أدبي نثري يمتاز بأحداثه المتوالية وشخصياته الخيالية أو الواقعية المتعددة، تتناول سرد القصة المشوقة (التشويق هو أهم عنصر فيها)، توزيع الأدوار كلٍ حسب وصفه وتغيير نبرة الحوار الخاصة بالشخصيات، تتكون الرواية عامةً من الشخصيات: أهمها البطل، العدو، العامل المساعد في نجاة البطل.. الموضوع؛ هو محتوى القصة، الحبكة وعليها يتم تقسيم الأدوار واختيار الشخصيات وبناء الموضوع، الزمكنة:هي تعدد وتغير الأماكن والأزمنة ''الأوقات'' خلال سرد تسلسل الأحداث مما يساعد القارئ على فهم مسار الرواية وبعدها الأحداث؛ و هي ما تقوم به كل شخصية في الرواية، وفي العموم هي صراعات تصل لقتل أو وفاة بطل أحد الأدوار، لنصل إلى  نهاية الرواية التي تحمل الحل؛ نسميها النهاية المغلقة أو يترك الكاتب الحرية الخيالية للقارئ حتى يصبح هو بدوره  الراوي وكاتب الرواية.. في حين يعتبر هذا الجنس الأدبي الأكثر ولوجاً من طرف الكُتّاب بكل أنواعه، واستطاعت الرواية أن تبرز في الساحة الأدبية حديثا كلمعان الشعر العربي في القديم بما تحتويه من فلسفة، علم اجتماع، واقع وخيال علمي..

الكتابة فن لأن الفن لا يعترف بالقواعد الوسطية تحت ما يسمى بـ "كن أو لا تكن"، فهو عمل بلمسة الكاتب الخاصة وهذا ما يجعله بوسام الفنان، الكاتب الحقيقي ينفرد بأسلوبه الخاص عن غيره من المقلدين فما أحوجنا في وقتنا الحالي إلى كاتب حقيقي غير مقلد، غير مهتم بمكانة الألقاب من ''فنان، مبدع، كاتب، مؤلف.. الخ" كلها ألقاب زائلة تزيد في مدحه، وتقتل طموحه لأن كثرة المدح تقتل الشعلة الحبرية في ذات الكاتب فتؤدي به لنقطة الكمال والرقي الوهمي، يعيش في عالم غير الذي وجب عليه أن يعيشه..

• ريشة فن الكتابة في فن آخر فن القراءة':

سئل الكاتب غابريال ماركيز في إحدى لقاءاته عن بدايته في الكتابة فكان الرد:

"من خلال الرسم الكرتوني؛ قبل التمكن من القراءة أو الكتابة اعتدت على رسم القصص المصورة في المدرسة و بالمنزل.. الأمر المضحك هو أنني أدرك الآن أنه عندما كنت في الثانوية اكتسبت شهرة بكوني كاتبًا، على الرغم بأني لم أكتب شيئا في الواقع.. فإذا كان هناك كتيب يجب أن يكتب أو خطاب التماس، لقد كنت أنا من يفعل ذلك بافتراضي كاتبًا، عندما دخلت الجامعة صادفت بشكل ملحوظ بأن لدي خلفية أدبية بمعدل فوق المتوسط عن أصدقائي، ففي الجامعة بمدينة بوغوتا بدأت بتكوين علاقات مع الأصدقاء والمعارف الجدد الذين عرفوني بالكُتاب المعاصرين.

ذات ليلة، أعارني صديق كتابًا من القصص القصيرة لفرانز كافكا، ذهبت راجعًا إلى النزل حيث أقيم وبدأت بقراءة (المسخ)، لقد استيقظت من الفراش بعد قراءة السطر الأول، لقد كنت مندهشاً يقول في السطر الأول :"واستيقظ غريغور سامسا في صباح ذلك اليوم من كوابيسه،  لقد وجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة ضخمة..." عندما قرأت هذا السطر قلت لنفسي بأني لا أعرف أي شخص باستطاعته كتابة أشياء كهذه.

لو كنت أعلم، كنت سأبدأ بالكتابة منذ وقت طويل.. وبالتالي بدأت فورا بكتابة القصص القصيرة، لقد كانت قصصا قصيرة معرفية لأني كنت أكتبها استنادا إلى تجربتي الأدبية ولم أجد بعد حتى الآن ذلك الرابط بين الأدب والحياة".
__________________________
• بقلم الكاتبة: أسماء بلغاشم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

آسف على الإزعاج

بما أن الساحة الأدبية تسِعُ الجميع، ولا حكر لأديب على الآخر بايقافه أو منعه أو طرده حتى ما إن كان هشًا أو ركيكا أو ذو توجّه غير أخلاقي. وعلي...