الاثنين، 6 يوليو 2020

الحرية: لماذا توقف المفكر العربي في حدود حرية الجسد؟

التحرر درجات، فحتى أدعياء الحرية يختلفون في المدى الذي يريدون الوصول إليه من التحرر، وهذا ينطبق تماما على المثقفين إذ هناك من يسعى للتحرر على مستوى الجسد وهذا غالب ما يتناوله المثقفون خاصة في العالم المتخلف، لأنك حين تُجري مسحا شاملا للمدونة الثقافية التي يكتبونها بصورة دورية لمناقشة الموضوعات والقضايا والتفاعل مع الأحداث والأحاديث (سواء النصوص الإبداعية كالروايات والقصائد والقصص أو الدراسات والمقالات وغيرها) ستجد أنهم يركزون على جوانب شكلية تمس المظهر البشري، ونحن نعني بالمظهر كل ما يتعلق بالجسد من تصرفات ذاتية ولباس وعلاقات وغيرها، فهم يصُبُّون جل اهتماماتهم على حرية الجسد وتتفيه كل قانون أو تشريع يقيد هذه الحرية، ويرفضون أي تدخل من أي جهة كانت (دينية أو بشرية) في التصرفات التي يقوم بها الإنسان على مستوى جسده كحرية المكان وتعني حرية وجود الشخص في أي مكان يريده دون منع من أي سلطة كانت سواء السلطة الدينية أو الأبوية أو القانونية أو العرفية، وحرية التنقل كحرية السفر دون الخضوع للقيود السابقة، وحرية الاستمتاع والتي تشمل المهارات كالكلام والاستماع (حرية قول أي شيء وحرية التكلم بأي لغة، حرية الاستماع لكل شيء ولكل صوت) وكذلك تشمل الملذات كالطعام والشراب والشهوات الجنسية، وكذلك حرية التغيير على مستوى الجسد وتشمل التغيير اللوني والشكلي والجنسي، أما التغيير اللوني فمثل الوشم والصبغ بكل أنواعه، وأما التغيير الشكلي فيشمل حرية التبرع بالأعضاء وبيعها قبل الموت وبعده، وكذلك يشمل الثقوب المتعلقة بالزينة كثقوب الأنف والأذن والسرة وغيرها، وأما التغيير الجنسي فيشمل  حرية تغيير الجنس من الذكورة إلى الأنوثة العكس وكذا حرية قيام جنسين متضادين في جسد واحد لممارسة المتعة الجنسية المتعاكسة.

هذا مجمل ما يتعلق بحرية الجسد، وهي إحدى مراتب الحرية التي يولد عليها الإنسان فهي حق طبيعي لا مكتسب ولا مزايدة عليه في الأصل، إذ هو يندرج ضمن إنسانية الإنسان التي لا يكون إنسانا إلا بقيامها كاملة غير منقوصة، ولا يمكن تقييدها إلا بشريعة سماوية يؤمن بها الفرد أو بقوانين سياسية متفق عليها بُغية عدم الوقوع في تصادم المصالح في المجتمع السياسي المدني، وهنا علينا أن ندرك أن السلطة الأبوية أو الأمومية لا يمكنهما أن تكونا سلطتين مطلقتين، بل هما جزئيتان إلى حد كبير، يتلقيان مشروعيتهما وتفويضهما من السلطة الدينية أو السياسية في حدود ضيقة لا يمكن تجاوزها، ولذا يقول ابن حزم الأندلسي في موسوعته الفقهية "المحلى": "إن الابن والبنت إذا وصلا سن البلوغ فهما أحق بأنفسهما من أبيهما" أي: أن الابن والبنت ينالان الحرية الكاملة بمجرد بلوغهما وهذا الموقف الصادر من فقيه قبل عشرة قرون إن جاز التعبير هو موقف أكثر ليبرالية وأشد تنويرا من مواقف القوانين الغربية الحالية التي غالبا ما تضبط سن البلوغ عند سن 18 ثمانية عشر عاما، فابن حزم يرى أن سن البلوغ الذي يبدأ تقريبا من 12- 13 هو منعطف عُمريٌّ ينال به الطفل حرية تصرفه في ذاته وأشيائه المتعلقة به وأنه لا يحق لوالديه التحكم فيه بعد بلوغه، وهذا يُحيلنا إلى شرخ عميق على مستوى البنية الفكرية التنويرية لدى المثقفين العرب ومثقفي العالم الثالث، إذ بينما يركزون على تحرير جسد الفرد والمرابطة على هذا الثغر طيلة عقود دون توقف؛ تجدهم ينأون بأنفسهم عن مناقشة أساسيات القضية ولا حتى التأصيل لها والبحث عن جذورها في التراث العربي والإسلامي، ويكتفون -بدل ذلك- باقتراض الفكر الغربي على نحو مشوَّهٍ مبتذل وغير مؤسس، وإنما نستعمل هذه الأوصاف لمناقشة الأسباب العلمية والموضوعية لظاهرة تحرير الجسد وكيف توقف الفكر العربي عندها ولم يتجاوزها إلا نادرا، هذه الأسباب  يمكن إجمالها فيما يلي:

• التمايز في بيئة النشأة بين الفكر الغربي ونظيره في البلدان المتخلفة، فالمفكرون الغربيون خلال تطور الفكر الغربي صدروا عن بيئة رباعية الأركان تعتمد على: المسيحية/ اليهودية/ الفكر اليوناني/ الفكر الروماني، هذه الرباعية هي المرجعية الأساسية المطلقة لكل المراحل التي مرت بها الفلسفة الغربية وصولا إلى أقصى درجات التطرف اللاديني التي تشهدها المجموعات الملحدة في أوروبا وأمريكا في يومنا، فالثقافة المسيحية ورموزها تبقى حاضرة لدى أي كاتب غربي مهما كان انتماؤه الديني أو الفلسفي، كما يبقى التأثر بمذاهب الفلسفات اليونانية والرومانية قويا بحيث تجد كل فيلسوف معاصر يحاول ربط آرائه واستنتاجاته بأقدم فلاسفة أثينا وروما، ومع كل التناقض الفظيع بين الديانة المسيحية واليهودية وبين مذاهب الفلاسفة الإغريق والرومان إلا أن الفكر الغربي يصطنع لوحة منمنة حافلة بذلك التناقض محاولين بذلك إيجاد أي شبهة تماثل بين أجزاء التنافر عبر تقنيات التأويل (الهيرمينوطيقا) التي تتجاوز اللفظ إلى ما يمكن أن يحتمله اللفظ.

إذن؛ هذه البيئة الغربية هي الرافد الأول والأخير للفكر الغربي، والمثقف العربي أو مثقف العالم الثالث لا يمكنه أبدا استرفاد هذا الفكر الغربي بينما هو يعيش في بيئة مختلفة تماما، بيئة شرقية لها أصولها ورموزها وغيبياتها وعلومها وآدابها وأساطيرها الخاصة والمميزة.

• الترجمة، وهي معضلة كبرى يُقِرُّ بها من يوافقنا ومن يعارضنا في هذه المقاربة، فحركة الترجمة في عالمنا المتخلف هي متخلفة كذلك، ولو قِسنا سرعة الترجمة بين العالم العربي وبين دولة واحدة كإسبانيا مثلا سنجد فارقا شاسعا ومرعبا حقا، فليس من المعقول أن يضاهيَ البناء الفكري لمثقف عربي بناءً فكريا لمثقف أوروبي والحال أن وصول المعلومة يعترضه إشكالان أساسيان هما: عدم دقة الترجمة وعدم وصولها في الزمن المطلوب (وهو زمن البناء الفكري)، لذا سيلاحظ الباحث كمية النقص الموجودة لدى المثقف العربي ومدى عجزه عن معالجة القضايا سواء اليومية أو المتكررة والمستمرة، وسنجد تناقضا هائلا بين مواقفه الأدبية مثلا والسياسية، بل سنجده يؤيد الديكتاتورية في بلدان ما ويدعي الثورية في بلده، أو تجده صامتا إزاء قضايا إنسانية كبرى في مناطق مختلفة من العالم بينما يركز نقده على مجموعة دينية على سبيل المثال، وينحدر إلى معاداة تصرفات جزئية تنقلها وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي ويكتب مقالات إثر ذلك ولكن يلتزم الصمت عن قضايا تمس عمق الإنسانية داخل بلاده وخارجها.

قد يبدو هذا غريبا، ويستاءل القارئ عن علاقة الترجمة بهذا الموضوع، والحقيقة أن انتقال المعرفة بكل أشكالها لا يكون إلا عن طريق اللغة والترجمة ليست سوى مظهر ثنائي أو متعدد للغة، فإذا أراد الباحث قراءة مشروع أحد الفلاسفة الإيطاليين أو الفرنسيين مثلا فلا بد عليه من الاطلاع على غالب ما كتبه ذلك الفيلسوف ولا يتأتى هذا إلا بإتقان اللغة الأصلية أو أن تكون مؤلفات ذلك الفيلسوف قد تُرجمت فعلا إلى لغة الباحث، ولن تؤتي الترجمة أكلها إلا إذا كانت أمينة وحاضرة في زمن البحث.

وعودًا على بدء؛ نكرر ما أسلفناه آنفًا بأن "مراوَحة" المثفف العربي في منطقة الجسد يفسره هذا التخلف المعرفي الكبير بين البيئتين الغربية والعربية، ولسنا ملزمين هنا باستحضار الأرقام السنوية للنشر في الدول العربية والتي تنم عن نقص فادح في وصول المعرفة وجديد البحوث والدراسات، وإذا سلطنا الضوء على الجزائر فالأمر سيكون أشد مأسوية، وبعد كل هذا لن يبقى غريبا تركيز مثقفينا على القضايا المتعلقة بتحرير الجسد طيلة عقود من الحركة التنويرية في بلداننا ولحد الآن، مع أن تلك القضايا ناقشها وحررها فقهاء منذ قرون بعيدة خلال مدوناتهم الفقهية وخلصوا إلى آراء سوف تبدو أكثر تحررا مما يتبناه مثقف عربي يهاجم الحجاب ويتأذى من اللغة العربية.
____________________________
• بقلم الكاتب: الطيب صياد.




الجمعة، 3 يوليو 2020

كيف تُقَوِّي ثقتك بتفسك؟ خطوات نحو شخصية قوية.

• الثقة بالنفس:

من المَعروف أنّ الشخص الذي يتمتّع بصفة الثقة بالنفس يُحقّق الكثير من النجاح والسعادة في حياته؛ فالثقة بالنفس تعني إيمان الشخص بقدراته ومواهبه، كما أنّها تعني إيمانه بقدرته على تحقيق أهدافه، إنّ الثقة بالنفس هي صفةٌ مُكتسبة يُمكن أن يكتسبها الإنسان باتباع بعض العادات وجعلها جزءاً لا يتجزأ من حياته، ولها العديد من المَظاهر والسلوكيّات التي تدلّ عليها، في هذا المقال سنتحدّث عن مَظاهر الثقة بالنفس وبعض النصائح التي تزيد من الثقة لدى الإنسان.

إذا طرحنا السؤال التالي: ما هي الشخصية القوية؟ كيف ستكون إجابتك؟

أكيد لن تكون بالبعيدة عن هذا التعريف؛ إنها الشخصية التي تمنح لصاحبها:

- الهيبة.
- السعادة.
- التحكم في الأوضاع.
- اتخاذ قرارات صائبة.
- تمنحه شعورا بالرضي عن نفسه. 
- تمكنه من مساعدة الآخرين في كل الأوقات. 
- تحقيق أهدافه ببساطة.
- مواجهة المشاكل بحدة وفي كل الأوقات. 
- التمكن في التحكم بالذات. 
 المواجهة في أي وقت وزمان.

هذا التعريف ملخص لإجابات طرحتها في الوسط بين مختلف شرائح المجتمع حول مفهوم الشخصية القوية، أضم إليها رأيي ومفهومي الخاص عن الشخصية القوية، فأقول: إنها الجدار الحامي الذي يحيط بك ليحمي روحك ومشاعرك ونفسك من الوسط الذي تعيش فيه، والذي يعطيك نظرة عما تعيشه.

من هذا المنطلق فإنك تتخذ قرارات بناء على شخصيتك، فكلما كانت شخصيتك قوية تصبح ثابتا في آرائك حول مواضيع الحياة ويصعب التأثير فيك، وستتسم بالحكمة في تصرفاتك.

• مظاهر الثقة بالنفس:

هناك بعض العلامات والدلالات التي تُشير إلى أنّ الشخص واثق بنفسه، ومن هذه المظاهر:

لغة الجسد المتميّزة بحركة مُنتظمة ومدروسة لليدين وتعابير الوجه، وكذلك المشي المُستقيم المدروس بكل خطوة، والحفاظ على وضعية الظهر المستقيم والرأس المرفوع والذي يدلّ على اعتزاز عالٍ بالنفس، بالإضافة إلى نبرة الصوت الواضحة والعالية والكلام الواضح بعيداً عن التردد أو التلعثم في الكلام، المظهر الجميل والهندام الحسن والمرتب؛ كلّ هذه الأمور تدل على إنسان واثق ويهتم بأدق تفاصيل مظهره وأناقته.

المشي السريع تدل على إنسان ناجح ولديه الكثير من الأعمال والمهام الموكلة إليه، وتدل على إنسان واثق بدرجة كبيرة.

الابتسام دوما أحد أهمّ مظاهر الثقة بالنفس؛ فالإنسان الوَاثق بنفسه يُحافظ على ابتسامته دوماً، فهو يَعيش حياةً جميلةً وسعيدة.

الطاقة الإيجابية والحيوية والنشاط، بعيداً عن السلبية والإحباط والانهزامية والقلق؛ فمُعظم الناجحين والواثقين بأنفسهم في هذا العالم يرون بكلّ محنة منحة، ويرون الجانب المُشرق في هذا العالم، ويرون بأنّ كل شيء ممكن الحدوث ولا مكانَ للمُستحيل في هذا العالم.

العلم والثقافة من أهم مظاهر الثقة بالنفس، فالإنسان الواثق يملك معلومات في كثير من المجالات والعلوم البشرية.

• نصائح لتقوية الثقة بالنفس:

لتقوية الثقة بالنفس يمكن اتباع النصائح التالية:

- حاول دائما الزيادة من ثقافتك ومعلوماتك.

- احتفظ بسرية امورك وامتنع عن الثرثرة والجدال.

- ابتعد عن الاعتذار المتكرر لا تعتذر إلا عندما تخطئ.

- لا تقلل من إنجازاتك ولا من شأنك ولا تسمح لأحد بذلك.

- لا تتوسل لشخص ولا تتذلل فكرامة الإنسان لا تقدر بثمن.

- خد القرارات بنفسك فلا أحد يمكنه التفكير عنك.

- انظر للحياة بعين الحقيقة والابتسامة وكن مميزا لا مقلدا.

- تذكر أن القوة ليست هي التجبر والطغيان بل هي تحقيق العدل.

- قدر قيمة الوقت ولا تضعه في الإنصات الى أوهام الكاذبين وصراعاتهم.

- استمع أكثر مما تتكلم واحرص على عدم الإكثار من رواية متاعبك الخاصة.

- لست ملزما بأخذ كل ما يُملى عليك خذ ما ينفعك وما يساعدك على فعل الخير.

- تستحق العيش بسعادة وتحقيق ما تريد لكن الامر لا يحدث بطريقة سحرية بل بأن تبادر بذلك.

- توقع الأذى من غيرك وانتظر من الناس من لا يريحك ولا ينصفك وحاول تجاوز الأمور السخيفة.

- حاول الاستماع جيدا، الهدوء واستخدام العقل الباطني في اتخاذ القرارات فهذا يمنحك قوة أكبر استيعاب المواقف التي تواجهك.

- القراءة توسع مداركك وخبراتك وتعزز معلوماتك وثقافتك كما أنها تفتح لك آفاقا أوسع لتكوين صداقات وعلاقات وتثريك بالمزيد من الحكمة.

- الإيجابية فعلم النفس تقريبا يتطابق كليا مع ديننا الإسلامي الحنيف بما جاء من تعاليم وضوابط للتعامل مع الناس، ومن بين تلك الأمور حسن الظن بالناس والتفاؤل الدائم.

- والنزاهة والاحترام ومعاملة الناس مهما كانت أعراقهم وأجناسهم وأديانهم باحترام.
- القراءة والتعلم وزيادة الثقافة في مختلف العلوم الإنسانية، فدائماً العلم يُعطي قوّةً وثقةً بالنفس للشخص المتعلم.

- تدريب النفس على إتقان مهارة الجسد وتعابير الوجه والمشي بطريقة صحيحة وبخطوات مدروسة، والوقفة بطريقة صحيحة مع الحفاظ على ظهر مستقيم ورأس مرفوع؛ كلّ هذه الأمور من الممكن جداً اكتسابها وتدريب النفس عليها حتى تصبح سمةً أساسيّة في شخصية المرء.

- الاهتمام بالمظهر الشخصي والأناقة والنظافة، وأن تصبح صفة الأناقة سمةً مُلازمة للشخص.

- الاختلاط بالناس الإيجابيين والنّاجحين في الحياة من ِشأنه تعزيز الثقة بالنفس لدى الشخص، كما أنّه يساعد على زيادة التعلّم منهم واكتساب خبرات جديدة لا يمكن للإنسان أن يكتسبها من خلال اعتزال الناس والجلوس في المنزل.

- المُشاركة في الحوارات والنقاشات المُثمرة بعيداً عن النقاشات العقيمة التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع.

• يمكننا تلخيص كل ما جاء سابقا في هذا الملخص:

- أن تعرف من أنت، وذلك بتجريب الأشياء الجديدة والاستكشاف.

- تحديد الأهداف في حياتك والسعي الى تحقيقها.

- العمل على التحدث بوضوح مع التواصل البصري، فهذا يقوي الثقة بالنفس والقدرة على التواصل بنحوٍ كلي.

- تنظيم أفكارك وأعمالك، فيجب أن لا نستسلم والمثابرة للفوز.

- اعلم متى تكون جادا، فوجود الشخصية القوية لا يعني أن تكون تعرف ماذا تفعل دائما.
____________________________
• بقلم المدونة: نهاد بلقاطي.



آسف على الإزعاج

بما أن الساحة الأدبية تسِعُ الجميع، ولا حكر لأديب على الآخر بايقافه أو منعه أو طرده حتى ما إن كان هشًا أو ركيكا أو ذو توجّه غير أخلاقي. وعلي...