التحرر درجات، فحتى أدعياء الحرية يختلفون في المدى الذي يريدون الوصول إليه من التحرر، وهذا ينطبق تماما على المثقفين إذ هناك من يسعى للتحرر على مستوى الجسد وهذا غالب ما يتناوله المثقفون خاصة في العالم المتخلف، لأنك حين تُجري مسحا شاملا للمدونة الثقافية التي يكتبونها بصورة دورية لمناقشة الموضوعات والقضايا والتفاعل مع الأحداث والأحاديث (سواء النصوص الإبداعية كالروايات والقصائد والقصص أو الدراسات والمقالات وغيرها) ستجد أنهم يركزون على جوانب شكلية تمس المظهر البشري، ونحن نعني بالمظهر كل ما يتعلق بالجسد من تصرفات ذاتية ولباس وعلاقات وغيرها، فهم يصُبُّون جل اهتماماتهم على حرية الجسد وتتفيه كل قانون أو تشريع يقيد هذه الحرية، ويرفضون أي تدخل من أي جهة كانت (دينية أو بشرية) في التصرفات التي يقوم بها الإنسان على مستوى جسده كحرية المكان وتعني حرية وجود الشخص في أي مكان يريده دون منع من أي سلطة كانت سواء السلطة الدينية أو الأبوية أو القانونية أو العرفية، وحرية التنقل كحرية السفر دون الخضوع للقيود السابقة، وحرية الاستمتاع والتي تشمل المهارات كالكلام والاستماع (حرية قول أي شيء وحرية التكلم بأي لغة، حرية الاستماع لكل شيء ولكل صوت) وكذلك تشمل الملذات كالطعام والشراب والشهوات الجنسية، وكذلك حرية التغيير على مستوى الجسد وتشمل التغيير اللوني والشكلي والجنسي، أما التغيير اللوني فمثل الوشم والصبغ بكل أنواعه، وأما التغيير الشكلي فيشمل حرية التبرع بالأعضاء وبيعها قبل الموت وبعده، وكذلك يشمل الثقوب المتعلقة بالزينة كثقوب الأنف والأذن والسرة وغيرها، وأما التغيير الجنسي فيشمل حرية تغيير الجنس من الذكورة إلى الأنوثة العكس وكذا حرية قيام جنسين متضادين في جسد واحد لممارسة المتعة الجنسية المتعاكسة.
هذا مجمل ما يتعلق بحرية الجسد، وهي إحدى مراتب الحرية التي يولد عليها الإنسان فهي حق طبيعي لا مكتسب ولا مزايدة عليه في الأصل، إذ هو يندرج ضمن إنسانية الإنسان التي لا يكون إنسانا إلا بقيامها كاملة غير منقوصة، ولا يمكن تقييدها إلا بشريعة سماوية يؤمن بها الفرد أو بقوانين سياسية متفق عليها بُغية عدم الوقوع في تصادم المصالح في المجتمع السياسي المدني، وهنا علينا أن ندرك أن السلطة الأبوية أو الأمومية لا يمكنهما أن تكونا سلطتين مطلقتين، بل هما جزئيتان إلى حد كبير، يتلقيان مشروعيتهما وتفويضهما من السلطة الدينية أو السياسية في حدود ضيقة لا يمكن تجاوزها، ولذا يقول ابن حزم الأندلسي في موسوعته الفقهية "المحلى": "إن الابن والبنت إذا وصلا سن البلوغ فهما أحق بأنفسهما من أبيهما" أي: أن الابن والبنت ينالان الحرية الكاملة بمجرد بلوغهما وهذا الموقف الصادر من فقيه قبل عشرة قرون إن جاز التعبير هو موقف أكثر ليبرالية وأشد تنويرا من مواقف القوانين الغربية الحالية التي غالبا ما تضبط سن البلوغ عند سن 18 ثمانية عشر عاما، فابن حزم يرى أن سن البلوغ الذي يبدأ تقريبا من 12- 13 هو منعطف عُمريٌّ ينال به الطفل حرية تصرفه في ذاته وأشيائه المتعلقة به وأنه لا يحق لوالديه التحكم فيه بعد بلوغه، وهذا يُحيلنا إلى شرخ عميق على مستوى البنية الفكرية التنويرية لدى المثقفين العرب ومثقفي العالم الثالث، إذ بينما يركزون على تحرير جسد الفرد والمرابطة على هذا الثغر طيلة عقود دون توقف؛ تجدهم ينأون بأنفسهم عن مناقشة أساسيات القضية ولا حتى التأصيل لها والبحث عن جذورها في التراث العربي والإسلامي، ويكتفون -بدل ذلك- باقتراض الفكر الغربي على نحو مشوَّهٍ مبتذل وغير مؤسس، وإنما نستعمل هذه الأوصاف لمناقشة الأسباب العلمية والموضوعية لظاهرة تحرير الجسد وكيف توقف الفكر العربي عندها ولم يتجاوزها إلا نادرا، هذه الأسباب يمكن إجمالها فيما يلي:
• التمايز في بيئة النشأة بين الفكر الغربي ونظيره في البلدان المتخلفة، فالمفكرون الغربيون خلال تطور الفكر الغربي صدروا عن بيئة رباعية الأركان تعتمد على: المسيحية/ اليهودية/ الفكر اليوناني/ الفكر الروماني، هذه الرباعية هي المرجعية الأساسية المطلقة لكل المراحل التي مرت بها الفلسفة الغربية وصولا إلى أقصى درجات التطرف اللاديني التي تشهدها المجموعات الملحدة في أوروبا وأمريكا في يومنا، فالثقافة المسيحية ورموزها تبقى حاضرة لدى أي كاتب غربي مهما كان انتماؤه الديني أو الفلسفي، كما يبقى التأثر بمذاهب الفلسفات اليونانية والرومانية قويا بحيث تجد كل فيلسوف معاصر يحاول ربط آرائه واستنتاجاته بأقدم فلاسفة أثينا وروما، ومع كل التناقض الفظيع بين الديانة المسيحية واليهودية وبين مذاهب الفلاسفة الإغريق والرومان إلا أن الفكر الغربي يصطنع لوحة منمنة حافلة بذلك التناقض محاولين بذلك إيجاد أي شبهة تماثل بين أجزاء التنافر عبر تقنيات التأويل (الهيرمينوطيقا) التي تتجاوز اللفظ إلى ما يمكن أن يحتمله اللفظ.
إذن؛ هذه البيئة الغربية هي الرافد الأول والأخير للفكر الغربي، والمثقف العربي أو مثقف العالم الثالث لا يمكنه أبدا استرفاد هذا الفكر الغربي بينما هو يعيش في بيئة مختلفة تماما، بيئة شرقية لها أصولها ورموزها وغيبياتها وعلومها وآدابها وأساطيرها الخاصة والمميزة.
• الترجمة، وهي معضلة كبرى يُقِرُّ بها من يوافقنا ومن يعارضنا في هذه المقاربة، فحركة الترجمة في عالمنا المتخلف هي متخلفة كذلك، ولو قِسنا سرعة الترجمة بين العالم العربي وبين دولة واحدة كإسبانيا مثلا سنجد فارقا شاسعا ومرعبا حقا، فليس من المعقول أن يضاهيَ البناء الفكري لمثقف عربي بناءً فكريا لمثقف أوروبي والحال أن وصول المعلومة يعترضه إشكالان أساسيان هما: عدم دقة الترجمة وعدم وصولها في الزمن المطلوب (وهو زمن البناء الفكري)، لذا سيلاحظ الباحث كمية النقص الموجودة لدى المثقف العربي ومدى عجزه عن معالجة القضايا سواء اليومية أو المتكررة والمستمرة، وسنجد تناقضا هائلا بين مواقفه الأدبية مثلا والسياسية، بل سنجده يؤيد الديكتاتورية في بلدان ما ويدعي الثورية في بلده، أو تجده صامتا إزاء قضايا إنسانية كبرى في مناطق مختلفة من العالم بينما يركز نقده على مجموعة دينية على سبيل المثال، وينحدر إلى معاداة تصرفات جزئية تنقلها وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي ويكتب مقالات إثر ذلك ولكن يلتزم الصمت عن قضايا تمس عمق الإنسانية داخل بلاده وخارجها.
قد يبدو هذا غريبا، ويستاءل القارئ عن علاقة الترجمة بهذا الموضوع، والحقيقة أن انتقال المعرفة بكل أشكالها لا يكون إلا عن طريق اللغة والترجمة ليست سوى مظهر ثنائي أو متعدد للغة، فإذا أراد الباحث قراءة مشروع أحد الفلاسفة الإيطاليين أو الفرنسيين مثلا فلا بد عليه من الاطلاع على غالب ما كتبه ذلك الفيلسوف ولا يتأتى هذا إلا بإتقان اللغة الأصلية أو أن تكون مؤلفات ذلك الفيلسوف قد تُرجمت فعلا إلى لغة الباحث، ولن تؤتي الترجمة أكلها إلا إذا كانت أمينة وحاضرة في زمن البحث.
وعودًا على بدء؛ نكرر ما أسلفناه آنفًا بأن "مراوَحة" المثفف العربي في منطقة الجسد يفسره هذا التخلف المعرفي الكبير بين البيئتين الغربية والعربية، ولسنا ملزمين هنا باستحضار الأرقام السنوية للنشر في الدول العربية والتي تنم عن نقص فادح في وصول المعرفة وجديد البحوث والدراسات، وإذا سلطنا الضوء على الجزائر فالأمر سيكون أشد مأسوية، وبعد كل هذا لن يبقى غريبا تركيز مثقفينا على القضايا المتعلقة بتحرير الجسد طيلة عقود من الحركة التنويرية في بلداننا ولحد الآن، مع أن تلك القضايا ناقشها وحررها فقهاء منذ قرون بعيدة خلال مدوناتهم الفقهية وخلصوا إلى آراء سوف تبدو أكثر تحررا مما يتبناه مثقف عربي يهاجم الحجاب ويتأذى من اللغة العربية.
____________________________

