استعادة العمق الثقافي الاستراتيجي ليس أمرا سهلا ولكنه يبقى واجبا وطنيا مقدسا مثله مثل استعادة الاستقلال والحرية، هذا المبدأ حدا بنا في مجلة (جزائريون من أجل الثقافات) لمحاولة تعبيد طُرُق قديمة كانت طيلة القرن الماضي زاخرة بالعطاء الأدبي والإنتاج الفني بين نقطتين متباعدتين جدا من العالم: بوسعادة ونيويورك، قصة فنانة أمريكية وقعت في غرام شاب جزائري فتزوجت به ثم حدث "شيء ما" جعلهما يفترقان، لتجد السيدة الشابة نفسها وحيدة في بلد يتأرجح بين لهيب الاحتلال الفرنسي وجذوة الثورة الشعبية المتصاعدة، طارت خوانيتا عائدة إلى بلدها وفي حضنها رضيع سيعيش عمرا مديدا قضى نصفه لا يعرف حقيقة أصوله الجزائرية!! اتصلنا خلال عدة أيام بصاحب القصة وكان راقدا في أحد مستشفيات نيويورك لنستعيد معه الحكاية شيئا فشيئا، مراسلات مستمرة بالبريد الإلكتروني تخللتها اكتشافات أخرى وقصص جزئية منبثقة من الحكاية الأصل، أيام من التواصل لخصناها لكم في هذا الحوار آملين أن يكون خدمة ولو صغيرة للثقافة والتاريخ الثقافي الجزائري.
• نص الحوار مترجما إلى العربية:
1- في البداية؛ دعنا نرحب بك كاتبنا القدير الأستاذ جلول مبروك؛ هذه الفرصة العزيزة والنادرة التي أتاحت لنا التواصل مع شخصية مميزة مثلك هي فرصة تشرف مجلتنا "جزائريون من أجل الثقافات" وتؤدي قليلا من واجبك علينا كمثقفين جزائريين وكمواطنين جزائريين، فما هي كلمتك الافتتاحية حضرة الكاتب القدير؟
• نص الحوار مترجما إلى العربية:
1- في البداية؛ دعنا نرحب بك كاتبنا القدير الأستاذ جلول مبروك؛ هذه الفرصة العزيزة والنادرة التي أتاحت لنا التواصل مع شخصية مميزة مثلك هي فرصة تشرف مجلتنا "جزائريون من أجل الثقافات" وتؤدي قليلا من واجبك علينا كمثقفين جزائريين وكمواطنين جزائريين، فما هي كلمتك الافتتاحية حضرة الكاتب القدير؟
ج: عنوان حواركم معي يذهب بي مباشرة إلى تجربة حياتي الأساسية، أنا لست جلول مبروك ولم أستعمل هذا الاسم قط، ولكنني أتفهم وأقدِّر استعمالكم لهذا الاسم، أعرف أنكم تستعملونه لأنه يربطني بالجزائر وأولاد نايل، بالرغم من أن كتبي تقول إنني جلول مبروك إلا أني في الواقع الاجتماعي الذي أعيشه لستُ كذلك أي: لا أُعرَف بهذا الاسم.
2- إن من يطالع سيرتك الحياتية يندهش من تلك المفاجآت التي تشبه إلى حد كبير حبكة يمكن توظيفها في نص روائي ناجح، كيف تسرد لنا أهم تلك المنعطفات التي مررتَ بها في حياتك؟ نحن نتحدث عن سيدة أمريكية، رجل جزائري نايلي من بوسعادة، انفصال إلى عالمين مختلفين تماما، زواج الأم برجل إيطالي، نشأة في مانهاتن، الدراسة في الجامعة، العمل في البحرية الأمريكية، العمل الصحفي، وغير ذلك، محطات كبيرة جدا سنُصغِي كثيرا لو تعطينا تفاصيل أكثر عنها؟
ج: زوج أمي مهاجر صقلي اسمه "دومينيكو جيوفاني غوكشيون"، ولد في جزيرة أليس التي كانت مقرة هجرة، لاحقا أصبح اسمه "دومينيك جون غوتشيون" كان هذا التغيير في الاسم على يد مسؤولين أمريكيين إيرلنديين فالكثير من المهاجرين أرغموا على التخلي عن حرف "O" في أسمائهم، لا نعرف إن كان هذا التصرف متعمَّدًا لتصبح الأسماء متشابهة، أو أنه فرض السلطة من طرف مجموعة عرقية على أخرى، في كل الأحوال هذا ما دفعني للاطلاع دائما على الآخرين.
من الواضح أنني لست رجلا إنجليزيا، لكنني أُخذت من طرف أمٍّ أمريكية للعيش في مجتمع متمركز على الإنجليز، هذا ما يجعلك تتشابه معهم لحد ما لكن ليس كُلِّيًّا، وللإجابة على أسئلتكم الأخرى يجب أن أنبه أن الإجابات كلها متضمنة بصورة أو بأخرى في أشعاري وقصصي التي كتبتها، فهي عرض مدوٍّ للنزع الوطنية والتفكير الطاغي للنزعة العرقية التي أعتبرها أخطر من كوفيد-19، بالنسبة للعرق واضطهاد المرأة الذي يوجد في الجنس البشري والذي لا يستطيع التقدم إلى أعلى الاحتمالات وهذا ما أعتبره كانتحار جماعي.
نحن كلنا نمثل الآخر، وعندما نُصِرُّ على أن يتم تعريفنا على أساس الجنسية، الدم، التوجه الفكري فنحن حينها سوف نُخفي وجودنا، نحن نمنع أنفسنا من احتمالية معرفة أنفسنا ومعرفة بعضنا بعضًا، نحن نُخفي، نتظاهر، ونخدع، الفخر ليس صفة مستنيرة لكن الكرامة هي كذلك.
![]() |
| طفلًا يافعا في حي منهاتن، بروكلين، نيويورك. |
كطفل صغير في أمريكا، طفل صغير بِاسمٍ يبدو غريبا، واسم عائلة إنجليزي لا يتوافق مع ما أبدو عليه، كنتُ واعيا لمبدأ الآخر، وتدريجيا أصبحتُ أعي أن "سياسة الهُويَّة" ما هي إلا وسيلة للتهرب من اكتشاف ما نحن عليه حقا، أستطيع أن أتظاهر، أقلد الأشخاص الذين يعجبونني، لكن عملي الحقيقي الذي هو معرفة نفسي يظل هو الطريق الوحيد لفهم الذات، نحن نعيش في غابة "الأنا" التي أعاقتنا عن معرفة "الآخر"، لا محالة أن المنتهزين يستعملون سياسة الهُوِيَّة للاحتيال علينا لسفك دمائنا، كل ذلك بسبب تشبُّثنا بهُوِيَّاتٍ هشَّة هي بعيدة كل البعد عن حقيقتنا، ولا تستطيع وصف ما يعنيه بعضُنا لبعضٍ.
3- تمثل بوسعادة عبر التاريخ كعبة للفنون والآداب ليس بالنسبة للجزائر فقط؛ بل كانت مقصدا لكثير من الفنانين والأدباء وحتى الفلاسفة من بلدان مختلفة وربما والدتك إحدى الرسامات اللواتي افتُتِنَّ بهذه المدينة، من منظور كاتب روائي وشاعر كيف لك أن ترسم لنا مدينة بوسعادة التي كانت مسقط رأسك؟
ج: بوسعادة هي منطقة رعي بالنسبة لي، شيء حدث هنالك جعلها تهرب، شيء جعلها تلفق قصة رومانسية لكنها كاذبة، شيء جعلها ترتب ولادتي في الجزائر العاصمة، كل ما أعرفه عن تلك المدينة المشهورة هو ما قرأته وما قيل لي عنها.
هذه الأجزاء لا تشكل صورة معقولة، أمي قالت لي بأن أبي "شهابة بن عيسى بن مبروك" توفِّيَ في حادث صيد قبل أن أولَدَ، وصدَّقتُ هذه الحادثة أكثر من نصف عمري، لكن في الحقيقة كما علمتُ من الكريمة الصادقة السيدة بركاهم فرحاتي أن أبي عاش حتى سنة 1978 وأن عنده ولدين وبِنتًا، لم أر يوما شهادة ميلادي التي أعتبرها نهاية المشاكل بالنسبة لي، لي اطلاع على بعض جوانب حياته من مصادر مختلفة لكن لم يتسنَّ لي أن أتحقق منها.
![]() |
| شهابة بن عيسى والد الكاتب جلول؛ بلباس الفروسية العربي في مدينة بوسعادة. |
أنا مسافر استثنائي في عقلي ومخيلتي، هذا يناسب شخصيتي، زرتُ "Adocentynes و Cackaugnes" و"بوسعادة" في مخيلتي ولم أقاوم أبدا هذه الوسائل البدائية، أستطيع أن أخمن لماذا كذبوا علي بشأن جذوري، ولست أحمل تجداههم أي إرادة مُضِرَّة لكنني لا أرغب بشكرهم لخداعي، لم يطلب أحد أن يولد في مكان معين ومع أشخاص معينين، وعندما نحمل هذه الظروف كسلاح أو كملابس فنحن نحمل جزءا من تدهورنا الروحي، عندما تقول: إنك فرنسي أو إنجليزي أو عربي أو أي شيء؛ أعتقد أن هذه طريقة لتعرف بها نفسك، وما هي إلا سرد بحتٌ لمعلومات وأماكن وكأنها تقول شيئا عن تطورك الروحي!
4- قصائد "Singing in the O of Not" تميل إلى التصوف، قد يُذكرنا هذا بنصوص كثيرة لشخصيات إسلامية صوفية مثل الحلاج وجلال الدين الرومي والشيخ الأكبر ابن عربي وغيرهم، ونحن نستشعر هذا التصوف من خلال زهدك في الظهور على وسائل الإعلام وعدم اهتمامك بالشهرة كثيرا رغم ما لك من إنتاج أدبي ضخم ومميز، هل كان الأستاذ جلول متصوفا بطريقة ما؟
ج: لقد تأثرت بدراسات ابن عربي والصوفية مع أني طوال حياتي مسيحي لنني قدمت من الجزائر لأمريكا، درستُ التاريخ العربي الإسلامي بدقة معتبرة ونسجت تلك المعرفة أحيانا بكتاباتي الخيالية والشعرية، لكنني أمجد في ذلك العمل رحلتي فقط، رحلتنا نحو التنوير.
أعتبر الوطنية والمركزية العِرقية لعناتٍ غارقةً في الدم على البشر، فتحتْ أبوابا للشر والتضليل، فبالنسبة لي طغيان كل شيء هو عمل بغيض.
![]() |
| قصائد "Singing in the O of Not" |
5- نريد أن نعرف أكثر عن علاقتك بشخصيات جزائرية على غرار السيدة الباحثة بركاهم فرحاتي التي فتحت الباب لاكتشاف حياة جديدة للأستاذ جلول، حدثنا عن صداقاتك مع هذه الشخصيات الجزائرية؟ هل هناك صداقات مستمرة لوقتنا هذا؟ كما نريد في مجلة "جزائريون من أجل الثقافات" أن ننقل رسالة مباشرة منك للجهات المعنية في الجزائر ، ما هي الرسالة التي توجهها لوزارة الثقافة وللسلطات الجزائرية؟
ج: نزاهة السيدة فرحاتي؛ جعلتها مثالا بالنسبة لي مثالا للبحث عن الحقيقة، جاءت إلى أمريكا لعمل حوار مع أمي، تحدثتُ إليها من خلال خدمات الترجمة التابعة لوزارة الخارجية في واشنطن، لغتي الفرنسية سيئة أما العربية فلا أتحدثها، أمي تتحدث الألمانية والفرنسية والإنجليزية، عندما عادت السيدة فرحاتي إلى بوسعادة اتصلت بي هاتفيا وعرفتني إلى أرملة أبي وأختي من أبي "نورية"، كان هذا تغييرا كبيرا في حياتي، وبقيتُ على اتصال بأختي نورية.
رتبتُ مع وزارة الخارجية لإرسال أكثر من 250 لوحة من لوحات أمي ورسوماتها إلى الجزائر كلَفتة طيبة ، قامت بعمل هذه اللوحات عام 1930 في ولاية المسيلة والمعرض آنذاك كان شعبيا، بعد ذلك سفير الجزائر في الولايات المتحدة الأمريكية السيد "إدريس الجزائري" رتَّب مع شركة سوناطراك لشراء اللوحات كميراث، في إحدى لقاءاتي مع السفير الجزائري ووزير الطاقة السيد شكيب خليل تحدثنا عن وضع اللوحات والرسومات في جناح بمتحف جديد بالجزائر العاصمة، بعد ذلك تبرعت سوناطراك باللوحات لوزارة الثقافة، لكن المحققين في الموضوع الآن قالوا لي بأن متحف الفنون الجميلة يدَّعي بأنه لا يعرف أماكن اللوحات، هذا الأمر أحزنني وأشتبه بتدخل أولاد نايل، أمي أصبحت مشهورة بعد وفاتها في الولايات المتحدة كأختها الكبيرة الفنانة "إيرين رايس بارييرا".
![]() |
| والدة الكاتب مع صديقة لها، سنة 1946. |
![]() |
| خوانيتا والدة الكاتب سنة 1975، كان عمرها آنذاك 71 عاما. |
6- نرجع قليلا إلى حياتك الشخصية الهادئة، هل يمكن أن نزعم أن اعتزازك بأصلك النايلي له دافع حقيقي وهو تلك اللمسة البسيطة التي تنطبع بها حياتك الشخصية؟ حدثنا أكثر عن طفولتك، يومياتك، علاقاتك العائلية، قصص طريفة تحدث معك بسبب اسمك العربي الغريب عن المجتمع الأمريكي، مواقف تجعلك تبتهج كعربي أمريكي مثقف، ومواقف ربما تحزنك وتتمنى لو تم تصحيح الوضع؟ وكيف تفاعل كل ذلك مع نصوصك وكتاباتك؟
ج: عشتُ السنوات الخمس الأولى من حياتي في "بروكلين - نيويورك" مع خالتي "دورثي" وجدَّتي "هيلدا"، قضيت 3 سنين فقط مع والدتي عندما كنت في المدرسة التحضيرية في منهاتن، عندما بلغت 5 سنوات أرسلتني أمي إلى مدرسة دينية أُسست على جزيرة خاصة بالأطفال الإنجليز النازحين من منطقة القنابل في أنغاليا الشرقية (منطقة في إنجلترا)، لم تخبرني أن خالتي العزيزة قد توفيت جراء مرض السرطان، وأنا اعتقدتُّ أن خالتي تخلَّت عني بسبب أني كنتُ مجهول النسب.
![]() |
| رضيعًا سنة 1934. |
الأطفال الذين كنت معهم في المدرسة كانوا فرحين لاعتقادهم أني فرنسي وُلد في "الجزائر الفرنسية"، لم أكن إنجليزيا قطعا مع اني أحمل اسما عائليا إنجليزيا وأتكلم بلهجة أنغاليا الشرقية، من جهة أخرى كنت أمريكيًّا بينهم، والأشخاص في المجتمع المحيط بي كانوا اعتبروني طفلا أمريكيا ينشأ بين اللاجئين الإنجليز، لو أقول إن الأمر كان مربكا لن أصف كل شيء، لكن ذلك شكَّل اهتمامي بالآخر طيلة حياتي، فكذلك ما نقول إننا عليه هو شيء دون معنى، ويناقض ما نختار أن نعرفه حقا عن أنفسنا كمخلوقات روحية لها غاية سامية لكي تصح أفضل من قصص موضوعة.
الحياة بالنسبة لي هي دراسة قضائية أين يجب أن نجمع تجاربنا كميراث للمستقبل وللبشرية، هذا واجبنا نحن بعضنا، وليس أن نهاجم بعضنا بشعارات الأصل والهُوِيَّة، دورنا الحقيقي هو التواصل مع الكائنات الفاضلة الموجودة بداخلنا، ولأجل هذا لا نحتاج معلوماتنا، جوازات سفنا، شهادات ميلادنا ولا نحتاج إلى سياسيِّين ليقولوا لنا: من نحن؟
الصعوبات التي يواجهها الإنجليز مع اسمي هو شيء ناقشته في مجموعة "بعيدا عن الجزائر"، عائلتي من امي لم تعرف أبدا كيف تنطق الاسم بطريقة صحيحة، وكثير من الناس ينادونني "Del Mebrook" فهذا يبدو مألوفا بالنسبة لهم، أنا لا أهتم لهذا لأنني لستُ اسمي ولا ما يقوله الآخرون أنني هو، أنا ما أقوم به، أنا ما أدرك، أنا ما أحترم، أنا الضوء الذي يمكنني أن أسلطه عليك وأنا كذلك الضوء الذي يمكنك أن تسلطه عليَّ.
كل ما مررتُ في الحياة تُظهره كُتُبي بطريقة أو بأخرى، أسوء ما مر بي ذكرتُه في "Suffer the Children" الذي أصف فيه طفولة التحرش الجنسي والتنمر، لم أكن متأكدا من أنني سأُنهي هذا الكتاب، كانت تجربة مؤلمة جدا والطريقة الوحيدة لإنهاء هذا الألم كانت أن أكتب أولًا سلسلة من الأشعار بعنوان "Sailing Her Navel" ورواية بعنوان "Ludilon".
![]() |
| الكاتب جلول مع زوجته السيدة مارلين، نيويورك، سنة 1999. |
7- هل ستزور الجزائر؟
ج: أنا بالأرجح لن أزور أي بلد أو أي مكان بعيد عن منزلي، جهازي المناعي لا يسمح بذلك، لكن كما قلت من قبل أسافر بعقلي من مكان لآخر، من كوكب لكوكب، ومن عقل لعقل آخر، ولائي الكامل للولايات المتحدة الأمريكية التي هي كباقي البلدان متصدعة لكنها مليئة بعَظَمتها الفريدة، إنها في النهاية بلدي، لكني انغمرتُ في قصص العرب والإسلام، لذا آمُلُ يومًا أن تُتَرجَم ثلاثيتي (الضوء مخترقًا الماء) "Light piercing water" إلى اللغة العربية لأنها تكشف تأثير الحضارة العربية على الغرب، أما "بعيدا عن الجزائر" فقد تُرجمت فعلا إلى العربية، ترجمها الشاعر الجلفاوي "ميلود حميدة"، وسوف تُنشر حين تزول جائحة كورونا.
![]() |
| ثلاثية " الضوء مخترقًا الماء". |
8- "بعيدًا عن الجزائر"؛ عنوان لأحد أهم أعمالك الشعرية، يحمل فيضا من المشاعر وكأنه يشكل جسرا روحيا ممتدا من أمريكا نحو الجزائر، والكتاب يحتوي على مجموعة من القصائد التي كُتبت في أوقات متفرقة، يبدو أن الحنين إلى الجزائر وبوسعادة لم ينقطع عن ذهنك وتفكيرك ولا عن قَلَمِك وكِتاباتك، هل تفكر في أي نص جديد يحكي قصتك الشخصية التي تعد نادرة ومليئة بالعاطفة؟
ج: ديوان "بعيدا عن الجزائر"؛ ليس كما يُظَنُّ أنه عمل أحن به للجزائر، وكيف يكون كذلك وليس لدي أي ذكرى عنها؟! فبالأحرى هي اكشتاف للآخر لتكون هو، وهي مختلطة بمعرفتي بالحضارة العربية، هي عمل نوستالجي لسبب وحيد ألا وهو: أننا نؤمن أننا ولدنا بحنين معين لمكان لا نستطيع تعريفه أو تذكُّرَه، في بعض الأحيان أعمالنا تعكس ذلك الحنين.
![]() |
| " بعيدا عن الجزائر"، مجموعة شعرية. |
عندما قدمتُ مجموعة "بعيدا عن الجزائر: Far From Algiers" لأجل جائزة "Stan And Wick" للشعر، كانت واحدة من 14 كومة من المخطوطات في غرفة معيشتي، لقد ميزت بعض المواضيع المتجاوزة أو الأساسية في كل من المخطوطات، لم أكتب أي قصيدة من هذه المجموعة كجزء من مشروع، لكنها تعكس اهتمامات.
نحن كلنا الآخَر، ألقاب الهُوية والعرق لن تغير ذلك أبدا، لهذا السبب لا نستطيع أن نُعرِّفَ أنفسنا للآخرين أو حتى لأنفسنا إلا إذا تخلينا عن مشروع "الهُوية الطفولي"، إذا كان لدي أي شيء ذي أهمية اجتماعية أو سياسية لأقوله فهذا هو، الوطنية هي شيطان طفولي وتوحُّشٌ في ذواتنا الداخلية، وحدتنا مع الإله، وكما أن النظام الأبوي مدمر وشيطاني ونظام أعرج يمشي بساق واحدة فكيف يمكننا أن نحقق الوحدة التي تكلم عنها "ابن عربي" عندما نتحدث عن نصف الجنس البشري؟ أو كما نقول: لا يوجد شيء نتعلمه من الحساب.
![]() |
| الدواوين الشعرية للكاتب. |
أظن أن لدي الجزائريين اطلاعا كبيرا على الإنجليزية، إذ دائما ما أجيب على أسئلة جزائريين عن الأدب والبلاغة الإنجليزية، إذا كان من الممكن أن يُسلط الضوء على حياتي أكثر بالنسبة للجزائريين فأفضل طريقة للاطلاع علي وعلى أعمالي هو قراءة ثلاثية "الضوء مخترقًا الماء"، بطلها الأسياسي هو بحار جزائري أمريكي، وقد خصصت 15 سنة من حياتي للبحث والعمل لإنجاز هذه الثلاثية والتي تحمل عناوين فرعية هي: Guest Boy، Growds of Gue، و The Golo Factory، هي موجهة للإنجازات الكثيرة للعرب والتي أثرت في عالمنا اليوم، وتزيل الكثير من سوء الفهم الموجود في الغرب عن العالم العربي.
بعض المشاهد في Guest Boy في الجزائر وبوسعادة، وبعضها في عُمان، القراء سيرون ماذا توصلت إليه في قضية الآخر والوطنية، سيرون جسورا بين العالم العربي والغرب، وهذا أفضل طريقة للإشارة لمروري وعلاقتي بالجزائر، إذ لا يمكن لأي زيارة أو ميدالية أن تلخص حقيقة التبصر في التفكير في الآخر، ولهذا ما تفعلون في هذه المجلة "جزائريون من أجل الثقافات" هو شيء شريف وذو معنى كبير.
9- من آخر أعمالك "الكذب مثل الرؤساء " Lying Like Presidents؛ ما دلالات العنوان؟ هل هناك جوانب سياسية يتضمنها العمل أم مجرد استعارة لغوية لها تجليات أخرى؟
ج: ديواني الأخير "الكذب مثل الرؤساء" سيُطلَق في 15 جويلية / يوليو القادم عن دار "Leakyboot Press, V.K" للنشر، الديوان هو مجموعة من القصائد التي تكشف طبيعة الأكاذيب التي نقولها عن أنفسنا لأنفسنا، الأشعار الأخرى هي مختارات من كُتُب أخرى وتقدم نظرة عامة عن أعمالي الفنية.
أشعاري تصف التصنيفات التي نصنف بها أنفسنا بأنها أفخاخ، حيَل ومآزق، فنحن لسنا تلك المعلومات، الساسة هم من يقذفون بها علينا لأجل غاياتهم السوداوية، وأنا أقول لكم في النهاية: أنتم بهذه المبادرة للتبادل الفكري تنفِّذون ضربة كبيرة لسياسة الهُوِيَّة.















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق