الاثنين، 29 يونيو 2020

حوار حصري مع الكاتب الأمريكي جلول مبروك.

استعادة العمق الثقافي الاستراتيجي ليس أمرا سهلا ولكنه يبقى واجبا وطنيا مقدسا مثله مثل استعادة الاستقلال والحرية، هذا المبدأ حدا بنا في مجلة (جزائريون من أجل الثقافات) لمحاولة تعبيد طُرُق قديمة كانت طيلة القرن الماضي زاخرة بالعطاء الأدبي والإنتاج الفني بين نقطتين متباعدتين جدا من العالم: بوسعادة ونيويورك، قصة فنانة أمريكية وقعت في غرام شاب جزائري فتزوجت به ثم حدث "شيء ما" جعلهما يفترقان، لتجد السيدة الشابة نفسها وحيدة في بلد يتأرجح بين لهيب الاحتلال الفرنسي وجذوة الثورة الشعبية المتصاعدة، طارت خوانيتا عائدة إلى بلدها وفي حضنها رضيع سيعيش عمرا مديدا قضى نصفه لا يعرف حقيقة أصوله الجزائرية!! اتصلنا خلال عدة أيام بصاحب القصة وكان راقدا في أحد مستشفيات نيويورك لنستعيد معه الحكاية شيئا فشيئا، مراسلات مستمرة بالبريد الإلكتروني تخللتها اكتشافات أخرى وقصص جزئية منبثقة من الحكاية الأصل، أيام من التواصل لخصناها لكم في هذا الحوار آملين أن يكون خدمة ولو صغيرة للثقافة والتاريخ الثقافي الجزائري.

• نص الحوار مترجما إلى العربية:


1- في البداية؛ دعنا نرحب بك كاتبنا القدير الأستاذ جلول مبروك؛ هذه الفرصة العزيزة والنادرة التي أتاحت لنا التواصل مع شخصية مميزة مثلك هي فرصة تشرف مجلتنا "جزائريون من أجل الثقافات" وتؤدي قليلا من واجبك علينا كمثقفين جزائريين وكمواطنين جزائريين، فما هي كلمتك الافتتاحية حضرة الكاتب القدير؟

ج: عنوان حواركم معي يذهب بي مباشرة إلى تجربة حياتي الأساسية، أنا لست جلول مبروك ولم أستعمل هذا الاسم قط، ولكنني أتفهم وأقدِّر استعمالكم لهذا الاسم، أعرف أنكم تستعملونه لأنه يربطني بالجزائر وأولاد نايل، بالرغم من أن كتبي تقول إنني جلول مبروك إلا أني في الواقع الاجتماعي الذي أعيشه لستُ كذلك أي: لا أُعرَف بهذا الاسم.



رسمة للكاتب بريشة زوجته مارلين.


2- إن من يطالع سيرتك الحياتية يندهش من تلك المفاجآت التي تشبه إلى حد كبير حبكة يمكن توظيفها في نص روائي ناجح، كيف تسرد لنا أهم تلك المنعطفات التي مررتَ بها في حياتك؟ نحن نتحدث عن سيدة أمريكية، رجل جزائري نايلي من بوسعادة، انفصال إلى عالمين مختلفين تماما، زواج الأم برجل إيطالي، نشأة في مانهاتن، الدراسة في الجامعة، العمل في البحرية الأمريكية، العمل الصحفي، وغير ذلك، محطات كبيرة جدا سنُصغِي كثيرا لو تعطينا تفاصيل أكثر عنها؟

ج: زوج أمي مهاجر صقلي اسمه "دومينيكو جيوفاني غوكشيون"، ولد في جزيرة أليس التي كانت مقرة هجرة، لاحقا أصبح اسمه "دومينيك جون غوتشيون" كان هذا التغيير في الاسم على يد مسؤولين أمريكيين إيرلنديين فالكثير من المهاجرين أرغموا على التخلي عن حرف "O" في أسمائهم، لا نعرف إن كان هذا التصرف متعمَّدًا لتصبح الأسماء متشابهة، أو أنه فرض السلطة من طرف مجموعة عرقية على أخرى، في كل الأحوال هذا ما دفعني للاطلاع دائما على الآخرين.

من الواضح أنني لست رجلا إنجليزيا، لكنني أُخذت من طرف أمٍّ أمريكية للعيش في مجتمع متمركز على الإنجليز، هذا ما يجعلك تتشابه معهم لحد ما لكن ليس كُلِّيًّا، وللإجابة على أسئلتكم الأخرى يجب أن أنبه أن الإجابات كلها متضمنة بصورة أو بأخرى في أشعاري وقصصي التي كتبتها، فهي عرض مدوٍّ للنزع الوطنية والتفكير الطاغي للنزعة العرقية التي أعتبرها أخطر من كوفيد-19، بالنسبة للعرق واضطهاد المرأة الذي يوجد في الجنس البشري والذي لا يستطيع التقدم إلى أعلى الاحتمالات وهذا ما أعتبره كانتحار جماعي.

نحن كلنا نمثل الآخر، وعندما نُصِرُّ على أن يتم تعريفنا على أساس الجنسية، الدم، التوجه الفكري فنحن حينها سوف نُخفي وجودنا، نحن نمنع أنفسنا من احتمالية معرفة أنفسنا ومعرفة بعضنا بعضًا، نحن نُخفي، نتظاهر، ونخدع، الفخر ليس صفة مستنيرة لكن الكرامة هي كذلك.


طفلًا يافعا في حي منهاتن، بروكلين، نيويورك.


كطفل صغير في أمريكا، طفل صغير بِاسمٍ يبدو غريبا، واسم عائلة إنجليزي لا يتوافق مع ما أبدو عليه، كنتُ واعيا لمبدأ الآخر، وتدريجيا أصبحتُ أعي أن "سياسة الهُويَّة" ما هي إلا وسيلة للتهرب من اكتشاف ما نحن عليه حقا، أستطيع أن أتظاهر، أقلد الأشخاص الذين يعجبونني، لكن عملي الحقيقي الذي هو معرفة نفسي يظل هو الطريق الوحيد لفهم الذات، نحن نعيش في غابة "الأنا" التي أعاقتنا عن معرفة "الآخر"، لا محالة أن المنتهزين يستعملون سياسة الهُوِيَّة للاحتيال علينا لسفك دمائنا، كل ذلك بسبب تشبُّثنا بهُوِيَّاتٍ هشَّة هي بعيدة كل البعد عن حقيقتنا، ولا تستطيع وصف ما يعنيه بعضُنا لبعضٍ.

3- تمثل بوسعادة عبر التاريخ كعبة للفنون والآداب ليس بالنسبة للجزائر فقط؛ بل كانت مقصدا لكثير من الفنانين والأدباء وحتى الفلاسفة من بلدان مختلفة وربما والدتك إحدى الرسامات اللواتي افتُتِنَّ بهذه المدينة، من منظور كاتب روائي وشاعر كيف لك أن ترسم لنا مدينة بوسعادة التي كانت مسقط رأسك؟ 

ج: بوسعادة هي منطقة رعي بالنسبة لي، شيء حدث هنالك جعلها تهرب، شيء جعلها تلفق قصة رومانسية لكنها كاذبة، شيء جعلها ترتب ولادتي في الجزائر العاصمة، كل ما أعرفه عن تلك المدينة المشهورة هو ما قرأته وما قيل لي عنها.

هذه الأجزاء لا تشكل صورة معقولة، أمي قالت لي بأن أبي "شهابة بن عيسى بن مبروك" توفِّيَ في حادث صيد قبل أن أولَدَ، وصدَّقتُ هذه الحادثة أكثر من نصف عمري، لكن في الحقيقة كما علمتُ من الكريمة الصادقة السيدة بركاهم فرحاتي أن أبي عاش حتى سنة 1978 وأن عنده ولدين وبِنتًا، لم أر يوما شهادة ميلادي التي أعتبرها نهاية المشاكل بالنسبة لي، لي اطلاع على بعض جوانب حياته من مصادر مختلفة لكن لم يتسنَّ لي أن أتحقق منها.


شهابة بن عيسى والد الكاتب جلول؛ بلباس الفروسية العربي في مدينة بوسعادة.
                 

أنا مسافر استثنائي في عقلي ومخيلتي، هذا يناسب شخصيتي، زرتُ "Adocentynes و Cackaugnes" و"بوسعادة" في مخيلتي ولم أقاوم أبدا هذه الوسائل البدائية، أستطيع أن أخمن لماذا كذبوا علي بشأن جذوري، ولست أحمل تجداههم أي إرادة مُضِرَّة لكنني لا أرغب بشكرهم لخداعي، لم يطلب أحد أن يولد في مكان معين ومع أشخاص معينين، وعندما نحمل هذه الظروف كسلاح أو كملابس فنحن نحمل جزءا من تدهورنا الروحي، عندما تقول: إنك فرنسي أو إنجليزي أو عربي أو أي شيء؛ أعتقد أن هذه طريقة لتعرف بها نفسك، وما هي إلا سرد بحتٌ لمعلومات وأماكن وكأنها تقول شيئا عن تطورك الروحي!

4- قصائد "Singing in the O of Not" تميل إلى التصوف، قد يُذكرنا هذا بنصوص كثيرة لشخصيات إسلامية صوفية مثل الحلاج وجلال الدين الرومي والشيخ الأكبر ابن عربي وغيرهم، ونحن نستشعر هذا التصوف من خلال زهدك في الظهور على وسائل الإعلام وعدم اهتمامك بالشهرة كثيرا رغم ما لك من إنتاج أدبي ضخم ومميز، هل كان الأستاذ جلول متصوفا بطريقة ما؟

ج: لقد تأثرت بدراسات ابن عربي والصوفية مع أني طوال حياتي مسيحي لنني قدمت من الجزائر لأمريكا، درستُ التاريخ العربي الإسلامي بدقة معتبرة ونسجت تلك المعرفة أحيانا بكتاباتي الخيالية والشعرية، لكنني أمجد في ذلك العمل رحلتي فقط، رحلتنا نحو التنوير.

أعتبر الوطنية والمركزية العِرقية لعناتٍ غارقةً في الدم على البشر، فتحتْ أبوابا للشر والتضليل، فبالنسبة لي طغيان كل شيء هو عمل بغيض.


قصائد "Singing in the O of Not"


5- نريد أن نعرف أكثر عن علاقتك بشخصيات جزائرية على غرار السيدة الباحثة بركاهم فرحاتي التي فتحت الباب لاكتشاف حياة جديدة للأستاذ جلول، حدثنا عن صداقاتك مع هذه الشخصيات الجزائرية؟ هل هناك صداقات مستمرة لوقتنا هذا؟ كما نريد في مجلة "جزائريون من أجل الثقافات" أن ننقل رسالة مباشرة منك للجهات المعنية في الجزائر ، ما هي الرسالة التي توجهها لوزارة الثقافة وللسلطات الجزائرية؟

ج: نزاهة السيدة فرحاتي؛ جعلتها مثالا بالنسبة لي مثالا للبحث عن الحقيقة، جاءت إلى أمريكا لعمل حوار مع أمي، تحدثتُ إليها من خلال خدمات الترجمة التابعة لوزارة الخارجية في واشنطن، لغتي الفرنسية سيئة أما العربية فلا أتحدثها، أمي تتحدث الألمانية والفرنسية والإنجليزية، عندما عادت السيدة فرحاتي إلى بوسعادة اتصلت بي هاتفيا وعرفتني إلى أرملة أبي وأختي من أبي "نورية"، كان هذا تغييرا كبيرا في حياتي، وبقيتُ على اتصال بأختي نورية.

رتبتُ مع وزارة الخارجية لإرسال أكثر من 250 لوحة من لوحات أمي ورسوماتها إلى الجزائر كلَفتة طيبة ، قامت بعمل هذه اللوحات عام 1930 في ولاية المسيلة والمعرض آنذاك كان شعبيا، بعد ذلك سفير الجزائر في الولايات المتحدة الأمريكية السيد "إدريس الجزائري" رتَّب مع شركة سوناطراك لشراء اللوحات كميراث، في إحدى لقاءاتي مع السفير الجزائري ووزير الطاقة السيد شكيب خليل تحدثنا عن وضع اللوحات والرسومات في جناح بمتحف جديد بالجزائر العاصمة، بعد ذلك تبرعت سوناطراك باللوحات لوزارة الثقافة، لكن المحققين في الموضوع الآن قالوا لي بأن متحف الفنون الجميلة يدَّعي بأنه لا يعرف أماكن اللوحات، هذا الأمر أحزنني وأشتبه بتدخل أولاد نايل، أمي أصبحت مشهورة بعد وفاتها في الولايات المتحدة كأختها الكبيرة الفنانة "إيرين رايس بارييرا".


والدة الكاتب مع صديقة لها، سنة 1946.



خوانيتا والدة الكاتب سنة 1975، كان عمرها آنذاك 71 عاما.


6- نرجع قليلا إلى حياتك الشخصية الهادئة، هل يمكن أن نزعم أن اعتزازك بأصلك النايلي له دافع حقيقي وهو تلك اللمسة البسيطة التي تنطبع بها حياتك الشخصية؟ حدثنا أكثر عن طفولتك، يومياتك، علاقاتك العائلية، قصص طريفة تحدث معك بسبب اسمك العربي الغريب عن المجتمع الأمريكي، مواقف تجعلك تبتهج كعربي أمريكي مثقف، ومواقف ربما تحزنك وتتمنى لو تم تصحيح الوضع؟ وكيف تفاعل كل ذلك مع نصوصك وكتاباتك؟

ج: عشتُ السنوات الخمس الأولى من حياتي في "بروكلين - نيويورك" مع خالتي "دورثي" وجدَّتي "هيلدا"، قضيت 3 سنين فقط مع والدتي عندما كنت في المدرسة التحضيرية في منهاتن، عندما بلغت 5 سنوات أرسلتني أمي إلى مدرسة دينية أُسست على جزيرة خاصة بالأطفال الإنجليز النازحين من منطقة القنابل في أنغاليا الشرقية (منطقة في إنجلترا)، لم تخبرني أن خالتي العزيزة قد توفيت جراء مرض السرطان، وأنا اعتقدتُّ أن خالتي تخلَّت عني بسبب أني كنتُ مجهول النسب.


رضيعًا سنة 1934.

الأطفال الذين كنت معهم في المدرسة كانوا فرحين لاعتقادهم أني فرنسي وُلد في "الجزائر الفرنسية"، لم أكن إنجليزيا قطعا مع اني أحمل اسما عائليا إنجليزيا وأتكلم بلهجة أنغاليا الشرقية، من جهة أخرى كنت أمريكيًّا بينهم، والأشخاص في المجتمع المحيط بي كانوا اعتبروني طفلا أمريكيا ينشأ بين اللاجئين الإنجليز، لو أقول إن الأمر كان مربكا لن أصف كل شيء، لكن ذلك شكَّل اهتمامي بالآخر طيلة حياتي، فكذلك ما نقول إننا عليه هو شيء دون معنى، ويناقض ما نختار أن نعرفه حقا عن أنفسنا كمخلوقات روحية لها غاية سامية لكي تصح أفضل من قصص موضوعة.

الحياة بالنسبة لي هي دراسة قضائية أين يجب أن نجمع تجاربنا كميراث للمستقبل وللبشرية، هذا واجبنا نحن بعضنا، وليس أن نهاجم بعضنا بشعارات الأصل والهُوِيَّة، دورنا الحقيقي هو التواصل مع الكائنات الفاضلة الموجودة بداخلنا، ولأجل هذا لا نحتاج معلوماتنا، جوازات سفنا، شهادات ميلادنا ولا نحتاج إلى سياسيِّين ليقولوا لنا: من نحن؟




الصعوبات التي يواجهها الإنجليز مع اسمي هو شيء ناقشته في مجموعة "بعيدا عن الجزائر"، عائلتي من امي لم تعرف أبدا كيف تنطق الاسم بطريقة صحيحة، وكثير من الناس ينادونني "Del Mebrook" فهذا يبدو مألوفا بالنسبة لهم، أنا لا أهتم لهذا لأنني لستُ اسمي ولا ما يقوله الآخرون أنني هو، أنا ما أقوم به، أنا ما أدرك، أنا ما أحترم، أنا الضوء الذي يمكنني أن أسلطه عليك وأنا كذلك الضوء الذي يمكنك أن تسلطه عليَّ.

كل ما مررتُ في الحياة تُظهره كُتُبي بطريقة أو بأخرى، أسوء ما مر بي ذكرتُه في "Suffer the Children" الذي أصف فيه طفولة التحرش الجنسي والتنمر، لم أكن متأكدا من أنني سأُنهي هذا الكتاب، كانت تجربة مؤلمة جدا والطريقة الوحيدة لإنهاء هذا الألم كانت أن أكتب أولًا سلسلة من الأشعار بعنوان "Sailing Her Navel" ورواية بعنوان "Ludilon".


الكاتب جلول مع زوجته السيدة مارلين، نيويورك، سنة 1999.




7- هل ستزور الجزائر؟

ج: أنا بالأرجح لن أزور أي بلد أو أي مكان بعيد عن منزلي، جهازي المناعي لا يسمح بذلك، لكن كما قلت من قبل أسافر بعقلي من مكان لآخر، من كوكب لكوكب، ومن عقل لعقل آخر، ولائي الكامل للولايات المتحدة الأمريكية التي هي كباقي البلدان متصدعة لكنها مليئة بعَظَمتها الفريدة، إنها في النهاية بلدي، لكني انغمرتُ في قصص العرب والإسلام، لذا آمُلُ يومًا أن تُتَرجَم ثلاثيتي (الضوء مخترقًا الماء) "Light piercing water" إلى اللغة العربية لأنها تكشف تأثير الحضارة العربية على الغرب، أما "بعيدا عن الجزائر" فقد تُرجمت فعلا إلى العربية، ترجمها الشاعر الجلفاوي "ميلود حميدة"، وسوف تُنشر حين تزول جائحة كورونا.


ثلاثية " الضوء مخترقًا الماء".


8- "بعيدًا عن الجزائر"؛ عنوان لأحد أهم أعمالك الشعرية، يحمل فيضا من المشاعر وكأنه يشكل جسرا روحيا ممتدا من أمريكا نحو الجزائر، والكتاب يحتوي على مجموعة من القصائد التي كُتبت في أوقات متفرقة، يبدو أن الحنين إلى الجزائر وبوسعادة لم ينقطع عن ذهنك وتفكيرك ولا عن قَلَمِك وكِتاباتك، هل تفكر في أي نص جديد يحكي قصتك الشخصية التي تعد نادرة ومليئة بالعاطفة؟ 

ج: ديوان "بعيدا عن الجزائر"؛ ليس كما يُظَنُّ أنه عمل أحن به للجزائر، وكيف يكون كذلك وليس لدي أي ذكرى عنها؟! فبالأحرى هي اكشتاف للآخر لتكون هو، وهي مختلطة بمعرفتي بالحضارة العربية، هي عمل نوستالجي لسبب وحيد ألا وهو: أننا نؤمن أننا ولدنا بحنين معين لمكان لا نستطيع تعريفه أو تذكُّرَه، في بعض الأحيان أعمالنا تعكس ذلك الحنين.


" بعيدا عن الجزائر"، مجموعة شعرية.


عندما قدمتُ مجموعة "بعيدا عن الجزائر: Far From Algiers" لأجل جائزة "Stan And Wick" للشعر، كانت واحدة من 14 كومة من المخطوطات في غرفة معيشتي، لقد ميزت بعض المواضيع المتجاوزة أو الأساسية في كل من المخطوطات، لم أكتب أي قصيدة من هذه المجموعة كجزء من مشروع، لكنها تعكس اهتمامات.

نحن كلنا الآخَر، ألقاب الهُوية والعرق لن تغير ذلك أبدا، لهذا السبب لا نستطيع أن نُعرِّفَ أنفسنا للآخرين أو حتى لأنفسنا إلا إذا تخلينا عن مشروع "الهُوية الطفولي"، إذا كان لدي أي شيء ذي أهمية اجتماعية أو سياسية لأقوله فهذا هو، الوطنية هي شيطان طفولي وتوحُّشٌ في ذواتنا الداخلية، وحدتنا مع الإله، وكما أن النظام الأبوي مدمر وشيطاني ونظام أعرج يمشي بساق واحدة فكيف يمكننا أن نحقق الوحدة التي تكلم عنها "ابن عربي" عندما نتحدث عن نصف الجنس البشري؟ أو كما نقول: لا يوجد شيء نتعلمه من الحساب.


الدواوين الشعرية للكاتب.


أظن أن لدي الجزائريين اطلاعا كبيرا على الإنجليزية، إذ دائما ما أجيب على أسئلة جزائريين عن الأدب والبلاغة الإنجليزية، إذا كان من الممكن أن يُسلط الضوء على حياتي أكثر بالنسبة للجزائريين فأفضل طريقة للاطلاع علي وعلى أعمالي هو قراءة ثلاثية "الضوء مخترقًا الماء"، بطلها الأسياسي هو بحار جزائري أمريكي، وقد خصصت 15 سنة من حياتي للبحث والعمل لإنجاز هذه الثلاثية والتي تحمل عناوين فرعية هي: Guest Boy، Growds of Gue، و The Golo Factory، هي موجهة للإنجازات الكثيرة للعرب والتي أثرت في عالمنا اليوم، وتزيل الكثير من سوء الفهم الموجود في الغرب عن العالم العربي.

بعض المشاهد في Guest Boy في الجزائر وبوسعادة، وبعضها في عُمان، القراء سيرون ماذا توصلت إليه في قضية الآخر والوطنية، سيرون جسورا بين العالم العربي والغرب، وهذا أفضل طريقة للإشارة لمروري وعلاقتي بالجزائر، إذ لا يمكن لأي زيارة أو ميدالية أن تلخص حقيقة التبصر في التفكير في الآخر، ولهذا ما تفعلون في هذه المجلة "جزائريون من أجل الثقافات" هو شيء شريف وذو معنى كبير.

9- من آخر أعمالك "الكذب مثل الرؤساء " Lying Like Presidents؛ ما دلالات العنوان؟ هل هناك جوانب سياسية يتضمنها العمل أم مجرد استعارة لغوية لها تجليات أخرى؟




ج: ديواني الأخير "الكذب مثل الرؤساء" سيُطلَق في 15 جويلية / يوليو القادم عن دار "Leakyboot Press, V.K" للنشر، الديوان هو مجموعة من القصائد التي تكشف طبيعة الأكاذيب التي نقولها عن أنفسنا لأنفسنا، الأشعار الأخرى هي مختارات من كُتُب أخرى وتقدم نظرة عامة عن أعمالي الفنية.

أشعاري تصف التصنيفات التي نصنف بها أنفسنا بأنها أفخاخ، حيَل ومآزق، فنحن لسنا تلك المعلومات، الساسة هم من يقذفون بها علينا لأجل غاياتهم السوداوية، وأنا أقول لكم في النهاية: أنتم بهذه المبادرة للتبادل الفكري تنفِّذون ضربة كبيرة لسياسة الهُوِيَّة.


صورة حديثة للكاتب أرسلها لنا احتفالا بصدور كتابه الأخير "الكذب مثل الرؤساء".

الجمعة، 26 يونيو 2020

أنطوان تشيخوف: لا تخبرني أن القمر يلمع، بل أرني بريق الضوء على الزجاج المكسور.

كان عمره عامًا عندما تحرر الأقنان (العبيد) في عام 1861 (كان جده أحدهم)، وتسعة أعوام عندما نشر تولستوي رائعته "الحرب والسلام"، و 16 عاما عندما أفلس والده المستبد وقد كان بقالا، هرب من منزله المتواضع في جنوب روسيا في سن 19، انتقل أنطون تشيخوف إلى موسكو حيث تدرب كطبيب وتحول إلى كاتب قصص كوميدية مقابل المال، في سن 24  ظهرت عليه علامات السل، في سن 26 حثه ناقد بارز على أخذ موهبته على محمل الجد ؛ في سن 28 ، نشر أول قصة رئيسية له بعنوان "السهوب"، قبل أن يصل 44 سنة كان قد مات.

كتب تشيخوف الكاتب المسرحي عشرات المسرحيات، وبلغت ذروتها في أربع روائع: "النورس" و "العمة فانيا" و "الأخوات الثلاث" و "الكرز أورشارد"، كتب تشيخوف الكاتب النثري 600 قصة، يتراوح حجم مسرحياته من صفحتين إلى 100 صفحة، يستخدم لوحة قماشية أكبر بكثير من المسرحيات، تتعمق نصوصه في العقول الفردية، وتعرض فهمًا خياليًا للمشهد الروسي، من الأوساخ المليئة بالذباب لحياة الفلاحين ولطف المحافظات الرمادية ("هادئ ورهيب للغاية ولكنه مزعج للغاية أيضا") إلى الغريبة التي تكره نفسها بين الشمبانيا والثريات في سان بطرسبرغ، تبدو روسيا في تشيخوف غير منسجمة بنحوٍ ثري، يسافر نثره الشفاف السريع بنحو جيد، ليس أقله أنه يترك الكثير دون أن يقال، اثنان من أكثر منتقديه إدراكًا بريتشيت وجانيت مالكولم لم يقرآ أبداً نصوصه بالروسية.

قرار رئيسي حدث في حياته بتحويل حالته الشخصية من الحالات الطبية العضوية إلى الحالات النفسية، ربما تم فعلا تحرير العبيد، لكن بقيت التشنجات العصبية والقلق والغثيان والأرق تؤثر عليه بصورة حادة وتكشف عن عدد لا يحصى من الأشخاص المحاصرين أو الغارقين أو المسجونين، يتم أيضًا تحسين فن الاستعباد!!

تدريجيًا تتفاقم معاناة الحبس من خلال انزلاقات نارية متقلبة وأسنان ومتمردات ونوبات حادة مفاجئة ونوبات استفزازية، نقاط قوية للتصادم الهزلي بين العوالم الداخلية والظروف الخارجية، الحالات العقلية ليست ثابتة، تتقلب تصورات الشخصيات: "لكن للأسف ، كانت هذه مجرد أفكار"، يذهب بعضهم لبعض، يحلمون بأن يكونوا في مكان آخر، تريد المضيفة الحامل أن يغادر ضيوفها، تدرك الخاطبة أنها غير راضية بخطوبتها، يلكم الطبيب رتبته، "كل ما كان ضروريًا ... تم إخفاؤه عن الآخرين" ("السيدة ولابدوج").

• القواعد الذهبية لتشيخوف: 

(1) "لا تخبرني أن القمر يلمع، أرني بريق الضوء على الزجاج المكسور". 
(2) "عندما ... تريد أن تجعل القارئ يشعر بالشفقة ، حاول أن تكون أكثر برودة إلى حد ما." 

• الحيل المفضلة:

(1) تأخذ الشخصية رحلة، وهناك رحلة داخل تلك الرحلة. 
(2) حدث ذو أهمية قصوى لشخص واحد يعني أنه لا شيء تقريبًا لشخص آخر: "لقد كانت مستاءة من الآخرين الذين لا يرون أي شيء خاص بها" ("ثلاث سنوات"). 
(3) الخطوط النهائية التي واجه شيخوف مشاكل كبيرة حولها غيرت منظور القارئ. "بدأ المطر يتساقط" ("المبارزة").

نماذج الأدوار جعلت تشيخوف ملحدًا في تاغونروغ، ملحد لكنه ظل غارقًا في طقوس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، من الكتاب المقدس استوعب البساطة المخادعة وهبة للإغفال والرنين المائل.
___________________________
• إعداد: مجلة 1843.
• ترجمة وتحرير: جزائريون من أجل الثقافات.



الثلاثاء، 23 يونيو 2020

رحلة تحت المجهر - عالم الفيروسات والبكتيريا

تطورت الميكروبات البدائية على كوكب الأرض منذ ما يقارب ثلاثة مليارات عام، غير أن الإنسان لم يتمكن من عزلها إلا في أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن يكتب "هيلاير بيلوك" قصيدته الساخرة "الميكروب" بما يقارب العشرين عاما، ومع أن تلك القصيدة كتبت كنوع من الترفيه عن الناس، فإنها تعكس نزعة الشك التي سادت تلك الأزمنة.

ولا بد أن الأمر استدعى وثبة إيمانية هائلة من الناس حتى يتقبلوا فكرة وجود كائنات حية دقيقة الحجم وكونها هي المسؤولة عن الأمراض التي كانت حتى ذلك الحين تعزى إلى أسباب متنوعة مثل إرادة الآلهة، أو اصطفاف الكواكب على خط واحد، أو الأبخرة الوبائية المتصاعدة من المستنقعات والمواد العضوية المتحللة، وبالطبع، لم يتكون هذا الإدراك الجديد بين عشية وضحاها، لكن مع التعرف على المزيد والمزيد من أنواع البكتيريا المختلفة، ترسخ ما بات يدعى "النظرية الجرثومية"، ومع بدايات القرن العشرين صار مقبولا على نطاق واسع حتى في الدوائر غير العلمية أن الميكروبات بإمكانها أن تسبب الأمراض،(كتاب الفيروسات، تأليف: دوروثي إتش كروفورد) 

نشأ علم دراسة الأحياء الدقيقة عندما تعلم الإنسان كيف يصقل الزجاج ليصنع منه عدسات مكبرة، حيث ظهرت أول عدسة مكبرة في القرن الحادي عشر، هكذا بدأت صناعة المَجاهر (الميكروسكوبات) التي جعلت من السهل رؤية العالم الخفي، الأحياء الدقيقة وبمساعدة هذه المجاهر استطاع مخترعها الهولندي " ليفنهوك" رؤية العديد من أنواع الكائنات الدقيقة وأطلق عليها اسم "الحيوانات الوحشية (البرية) الصغيرة"، كما استطاع أن يسجل مشاهدته لها ويرسلها في خطاب إلى جمعية المملكة البريطانية، (كتاب عالم الفطريات الدكتور محمد علي)

• في هذا التقرير نستعرض أنواع الكائنات المجهرية تاريخيا وعلميا بشيء من التفصيل.

الميكروب صغير جدا جدا
لا يمكنك أن تتبينه أبدا،
لكن كثيرا من المتفائلين يأمل 
أن ينظر إليه من خلال المجهر 
لسانه المفصلي موجود بمكان 
أسفل مئات الصفوف العجيبة من الأسنان 
وأذياله السبعة المكسوة بالزغب 
مزينة بلون القرنفل والأرجوان 
جميلة هي ذات عجب 
وفوق كل منها ذات عجب 
وفوق كل منها هناك شكل 
مصنوع من أربعين شريطا مستقلا 
وحاجباه من اللون الأخضر الفاقع 
كل هذا لم يره أحد في الواقع 
لكن العلماء، ومن المفترض أنهم يعلمون،
يؤكدون أن الأمر على هذا النحو لا بد أن يكون 
أواه دعونا أبدا لا نرتاب 
في أمر لم يجزم أحد فيه بجواب 

(قصيدة الميكروب/ هيلير بيلوك)


1- البكتيريا:

البكتيريا أجسام حية دقيقة لا تُرى بالعين المجردة بل تحت المكبرات البسيطة والمكبرات المركبة، وأول من اكتشف هذه الأحياء هو العالم "مولر" حيث شاهدها من خلال عدسات العالم الهولندي" لوفنهوك" عام 1676 وبعده عمل العالمان "شفان ولاتور" على فصل البكتريا من بين مجاميع مختلفة من الجراثيم والخمائر الموجودة وسط سوائل حاوية على مواد عضوية قابلة للتحليل البروتيني، ثم توالى عليها الكثير من العلماء مثل باستور في دراسته هذه الأحياء وقسموها إلى: بكتيريا طبية، بكتيريا صناعية، زراعية، وبكتيريا غذائية، ولكل منها شكل وتركيبة خاصة بعضها نافع والآخر ضار.

يتكون جسم البكتيريا من جدار خارجي يبطنه جدار آخر يسمى لاكتوبلازم بمثابة جدار واق لمحتويات الخلية قد يعطيها الشكل المميز، قوامه من مادة تدعى البروتوبلازم لزجة قابلة للتلوين تتألف من النواة والسيتوبلازم المحيط بها ولا يمكن فصلها عن بعضها إلا بصعوبة، 
أما النواة فتتألف من مادة كروماتنية على شكل حبيبات مزروعة في السيتوبلازم بالإضافة إلى فجوات غذائية تحتوي على مادتي الكاربوايدرات والبروتين وأحيانا على مواد زيتية وكبريتية، (ينظر: كتاب البكتريا وأثرها في التربة، للمهندس الزراعي محمد صادق)

تحتوي البكتيريا على زوائد شبيهة بالشعر(أهداب) تساعدها على الالتصاق ببعضها وعلى الأسطح الصلبة وخلايا جسم الإنسان، (ينظر: https://www.healthline.com/)

تتكاثر بعدة طرق (بالانقسام البسيط، التبرعم، التزاوج، الانقسام الخيطي، ...)، (ينظر: كتاب البكتريا وأثرها في التربة، للمهندس الزراعي محمد صادق)

2- الطفيليات:

الطفيليات البدائية هي حيوانات وحيدة الخلية إذا ما قورنت في وظيفتها مع الحيوانات متعددة الخلايا أو مع خلايا معزولة منها تتوضع الهيولى الباطنة السائلة نسبيا والتي تتوضع في الداخل، وللنواة شكل حويصلي أو مكتنز حسب النوع.

تحتوي النواة الحويصلية هيولى نووية وجسيما واحدا أو أكثر من أجسام كثيفة التلون تدعى الجسيمات الداخلية، وقد تتوضع المادة الصبغية قرب جدار الغشاء النووي الداخلي، أما النواة المكتنزة فتحتوي مادة كروماتنية مصمتة، (كتاب علم الطفيليات الطبية، للدكتور والتر بيك)

كانت معرفتنا بعلم الطفيليات في منتصف القرن السابع عشر مقتصرة على التعرف على بعض الطفيليات الخارجية كالقمل والبراغيث، وبعض الطفيليات الداخلية الكبيرة الواضحة للعين المجردة كالديدان الشريطية والصفر الخراطيني والدودة الدبوسية ودودة غينيا، وقد كان المعتقد بأن هذه الطفيليات هي نواتج طبيعية لجسم الانسان كالثآليل والدمامل وقد ذهب الرومان إلى أبعد من ذلك عندما خصصوا مذبحا لآلة الديدان عندما انتشر مرض للماشية في جنوب إيطاليا، جاء أول تسجيل طبي لعلم الديدان من قبل العالم "ابن سينا" فقد وصف أربعة أنواع هي الديدان الطويلة والمسطحة (دودة البقر الشريطية)، الصغيرة (الدبوسية / الصفر الخراطيني).

استطاع " لفنهوك "بواسطة مجهره أن يصف العديد من الكائنات الصغيرة كالابتدائيات في المطر والماء، واللعاب، والبراز، فقد اكتشف طفيليا في البراز، علما أن أول كائن ابتدائي تمت معرفته كطفيلي للإنسان هو المهدب القربي الذي اكتشفه "مالسكن" في السويد عام 1856.

تختلف طرق انتقال الطفيلي (الفم: عن طريق الماء أو الطعام الملوث ببراز شخص أو حيوان مصاب، الجلد: حيث يخترق الطفيلي الجلد، الاتصال الجنسي، الهواء، المشيمة)، (كتاب علم الطفيليات، للأستاذ عبد الحسين حبش/ إسماعيل عبد الوهاب)

3- الفطريات:

تعرف الفطريات بأنها من الكائنات الحية الدقيقة القريبة من النباتات، لكنها غير نباتية، وإن كان بعضها كالأعفان، قريبا من الحيوانات لكنه ليس بحيواني، وهذه كلها من الكائنات الدقيقة الراقية (لها أنوية مع عدم التميز النسيجي) تضم الفطريات الراقية، الخمائر والأعفان.

الفطريات نباتات ثالوسية، ليس لها أصبغة نباتية (كلوروفيل)، فهي لا تقوم بعملية التركيب الضوئي، لكنها تتناول مغذيات في صورة ذائبة، أي أنها كائنات غير ذاتية التغذية، تعتمد على مصادر مختلفة للحصول على الكربون من المواد العضوية الموجودة في أجسام الكائنات الأخرى (حية أو ميتة)، وبهذا تختلف عن النباتات، كما تختلف عن الحيوانات بتغطية خلايا الفطريات بجدار من الكيتين و السليلوز ، الهيموسيليلوز، والجلوكومان.

والفطريات كائنات هبوية، وليست جرثومية (أي لا تتكاثر بالجراثيم أو الأسبرمات أو المني أو النطاف)، وتكون إما وحيدة الخلية (الخمائر) أو عديدة الخلايا، وتتكون من الخلايا الطويلة الرقيقة (هيفات) المكونة معا لبناء الغزل الفطري.

كل الفطريات لها شكل من أشكال التكاثر اللاجنسي ومعظمها غير قادرة على الحركة، تنتشر في الأرض والماء والهواء، تعيش أيضا على الكائنات الحية الأخرى والمواد العضوية، يختلف الجزء المرئي منها في شكله وحجمه ولونه، حيث تشكل مملكة خاصة تضمن نحو 1.5 مليون نوع، عرفت الفطريات واستخدمت منذ أكثر من ستة آلاف سنة في صناعة النبيذ والبيرة والخبز، وحفظ الأغذية وتدواي الجروح وغيرها (النافعة منها)، كما استخدمت في أغراض إجرامية (الضارة منها).

وتقسم الفطريات على حسب فوائدها وأحجامها، احتياجاتها للرطوبة، مقاومتها للحرارة، تحملها للجفاف، (ينظر: كتاب الفطريات والسموم الفطرية، للدكتور عبد الحميد محمد)

أول رسم تخطيطي للفطريات بيد العالم "روبرت هوك" تحديدا عام 1667 الذي رسم الحوافظ السبورية للفطر والسبورت التيلية للفطر ولكن مايعاب على "هوك" أنه أعتقد أن السبورات التي أطلق عليها تنشأ ذاتيا وبعد نشوئها تبدأ بالتكاثر كما اعتقد أيضاً ان السبورات التيلية تنشأ من أنسجة الأوراق (نظرية النشوء الذاتي)، بينما العالم الإيطالي "ميشالي" الذي أثبت أن الفطريات لا تنمو ذاتيا بل من فطريات نمت قبلها.

وقد استخدم المجهر بنحو واسع في دراسة مظهر الفطريات وتكاثرها ونشر الكثير من البحوث عنها عام 1729، (الدكتور ياسر ناصر حسين)

4- الفيروسات:

ﻣﻊ ﺑﺪاﻳﺎت اﻟﻘﺮن اﻟﻌﴩﻳﻦ عُرفت الفيروسات بأنها فئة من الميكروبات تتصف بكونها مسببة للعدوى، وتمر من فتحات المرشحات وتحتاج إلى خلايا حية حتى تنتشر.

الفيروسات ليست خلايا وإنما هي جسيمات تتكون من غطاء بروتيني يحيط بمادتها الوراثية ويحميها، أو حسبما أطلق عليها عالم المناعة الشهير " السير بيتر ميداوار" بعبارة "نبأ سيء مغلف بالبروتين".

بينما يطلق على الغلاف الخارجي اسم "كابسيد" أو "القفصة الفيروسية"، وتوجد القفييات الفيروسية بأشكال وأحجام متنوعة، كل منها يميز عائلة الفيروسات التي ينتمي إليها، وهي مشيدة من وحدات فرعية من البروتين تسمى "القسيمات القفصية" وترتيب تلك الوحدات حول المادة الوراثية الموجودة بالمركز هو الذي يحدد شكله، مثال: فيروسات الجدري على شكل قوالب الطوب، أما فيروسات الهريبس (القوباء) فإنها على هيئة كرات مضلعة ذات عشرين ضلعا، وفيروس داء الكلب على هيئة رصاصة، أما فيروس موزايك التبغ فهو طويل ورفيع أشبه بالعصا.

معظم الفيروسيات صغيرة جدا تجعل من المستحيل مشاهدتها بالمجهر الضوئي العادي، وبصفة عامة، نجدها أصغر من البكتيريا بمقدار 100 إلى 500 مرة تقريبًا، كما تتراوح أقطارها بين 200 إلى 300 نانومتر (النانومتر واحد على ألف مليون من المتر)، (كتاب الفيروسات، تأليف: دوروثي إتش كروفورد).

5- الطحالب:

مصطلح "الطحالب" يعني مجموعة من الكائنات الحية الأكثر تنوعًا وقدما، وهي متعددة الأشكال بالتطور ومصطنعةحسب التصنيف، الميزة المشتركة الوحيدة
هي القدرة على أداء التمثيل الضوئي الهوائي.

وتتراوح الطحالب من الحجم الصغير
كالخلايا البكتيرية الزرقاء للعوالق العملاقة إلى عشب البحر العملاق المسيطر على صخور السواحل، تستقر معظم الموائل المائية المتنوعة مثل الينابيع الساخنة والجليد في القطب الشمالي، تعيش في الصخور والكائنات الحية المختلفة، وتسافر عن طريق التيارات الهوائية آلاف الأميال ويمكن العثور عليها في المياه الجوفية، لقد لعبت الطحالب دورًا مهمًا في تطور وإثارة الخلايا، (النباتات الجنينية، (     Book/    ALGAE AND CYANOBACTERIA IN EXTREME ENVIRONMENTS)
Joseph Seckbach)

من خلال مخططات التصنيف المختلفة، يتراوح عدد أقسام الطحالب نحو 26000 نوع.
      Alga, 1Ecology FreshwaterBenthicEcosystems (كتاب 
James H. Thorp /

ومن أقسام الطحالب:

• قسم الطحالب الخضراء المزرقة، الطحالب الخضراء، الطحالب الصفراء (الدياتومات)، الطحالب البنية، الحمراء، اليوجلينية، الكارية، (الأستاذ عباس حسين مغير الربيعي /كلية التربية / شبكة جامعة بابل)



الاثنين، 22 يونيو 2020

تمثال الملكة السوداء ماري.

أسدل الستار هذه الأيام عن أول تمثال لامرأة سوداء في الدنمارك كُتب تحته عبارة "أنا الملكة ماري"، احتفاءً بماري توماس السيدة التي قادت في عام 1878 مع امرأتين أخريين أكبر انتفاضة عمالية في التاريخ الاستعماري الدنماركي. ⁠

في الفاتح من شهر أكتوبر من عام 1878 أحرق العمال المنهكون في جزيرة سانت كروا الكاريبية النار في المنازل ومصانع السكر ونحو 50 مزرعة بينما كانوا يحتجون على ظروف العمل القمعية التي فرضها الحكام الاستعماريون الدنماركيون، على رأس هذه الثورة المسماة "Fireburn" كانت ماري توماس التي أطلق عليها أتباعها لقب "الملكة ماري".

وضعيتها وهي جالسة خلدت في رسمة عام 1967 لـهيوي نيوتن مؤسس حزب "النمر الأسود"، وتضم القاعدة التي يرتكز عليها كرسيها قطعًا مرجانية من المحيط من قبل أفارقة مستعبدين مجتمعين من أنقاض أساسات المباني التاريخية في جزيرة سانت كروا.

قال هنريك هولم -كبير الباحثين في المعرض الوطني للفنون في الدنمارك- في بيان عندما تم الكشف عن التمثال: "يستغرق تمثال مثل هذا مدة لجعل نسيان عهود القمع والعنصرية أقل سهولة".



كتاب أمريكي جديد يحتفي بالحضارة الإسلامية.

• قراءة في كتاب نُشر حديثا بعنوان: "الحضارة الإسلامية من خلال حياة 30 شخصية"، تأليف البروفيسور تشيس روبنسون، الباحث في التاريخ الإسلامي.

في المخيال الغربي؛ غالبًا ما يترافق الحديث عن العنف والإسلام جنبًا إلى جنب ويحدث هذا خاصة عبر وسائل الإعلام، لذا كان من المريح التذكير بأن الإسلام تاريخيا وثقافيا وفكريا؛ هو أقل عقيدة من حيث العدمية في الحضارة الإنسانية، كتاب جديد من تشيس روبنسون والذي يتضمن 30 صورة شخصية لأبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي، هو ملخص أنيق للعديد من المظاهر الملونة والإبداعية والمبتكرة من الناحية التكنولوجية التي ألهمها النبي محمد من واحات شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي.

يكاد المحاربون والقادة العسكريون والسياسيون بدءًا من النبي محمد وانتهاءً بالشاه إسماعيل بعد 900 عامًا؛ يسيطرون على السردية التاريخية، لكن في كتاب روبنسون يبين أن فنونهم القتالية تعتبر ثانوية بالنسبة لفنونهم الجمالية، لم يحتفل محمد بانتصاراته في ساحة المعركة ولكنه كان يحتفل بآياته، عبد الملك بن مروان الخليفة الذي استولى على قبرص كان معروفًا بشكل أفضل لدى المؤرخين الإسلاميين ببنائه قبة الصخرة المهيبة في القدس، ومحمود الغزني الجهادي الذي غزا الممالك الهندوسية في شمال غرب الهند كان معجبا بتزيين محيط الإسلام الشرقي بالحدائق ("لقد عزفت الوردة البرية بأنماط من اللؤلؤ": ناز شاعر البلاط الغزنوي) بنى تيمور المغولي الذي نتصوره كسارق للأغنام وأحد غزاة العالم، بنى أبراجًا من جماجم ضحاياه، لكنه فيما بعد بنى أيضًا المساجد المرتفعة والسامية في سمرقند.
السلطان محمد الثاني الفاتح العثماني للقسطنطينية لكنه في الوقت ذاته كان رجل النهضة وعلم وفكر.

تشكيلة رائعة مثل المقاتلين هي الشخصيات التي تضمنها كتاب عمل روبنسون: أطباء وعلماء أحياء ومفكرون وخطاطون ورسامو خرائط (بما في ذلك عالم الجغرافيا محمد الإدريسي) ومؤرخون وشعراء، ومع أن النبي محمدا نفسه كان أميًا إلا أن تقاليده كانت غارقة في الرسائل، أحد السور أو الفصول القرآنية كانت تسمى سورة "القلم"، وحسب الروايات الإسلامية قد صنع الرجل الأول آدم أول قلم في العالم، واستعمل علي وهو صهر النبي وخليفته القلم لتدوين هذا النص العربي " القرآن".

رجال الأعمال حاضرون أيضًا: في القرن التاسع كما هو الحال الآن كان المصنعون يشكون من الإغراق الصيني لأدوات المطبخ المنتجة بكميات كبيرة في أسواقهم، تظهر النساء أيضًا مثل الصوفيين والمحظيات والعلماء، تحت أقواس مساجد مكة، حيث قادت السيدة كريمة المروزية حلقات دراسة قرآنية وعلمية لكلا الجنسين، وربما يلاحظ القارئ الغربي لهذا الكتاب في النهاية أن العديد من أصحاب الرسول والمحافظين على التقاليد الإسلامية هم من النساء.

ما يظهر هو حضارة كانت سوقًا للأفكار والسلع، يقول روبنسون: "قيل إن التوسع الحضري ومحو الأمية ظاهرة حديثة بشكل واضح، لكن هذا خطأ، بل إن العالم الإسلامي -على حد قوله- يجسد العولمة قبل عصرها والعولمة الثقافية وعالم التلاقح والرأسمالية الغنية بالتجارة، وكانت مدنها الأفضل في العالم، في القرن التاسع، انتشرت المدنية في بغداد بسرعة مثل مانهاتن بعد ذلك بألف عام، كانت بغداد خليطا هائلا من الأعراق والأجناس التي شكل العرب جزءا فقط من تركيبتها، وفي غرب العالم الإسلامي كانت هناك عاصمة إسلامية أخرى هي مدينة قرطبة أعظم مدن أوروبا، وأخرجت لنا بعض أعظم العقول العلمية: ابن رشد الذي أثر دفاعه عن الفلسفة الأرسطية ضد اللاهوتيين الأرثوذكس على أشخاص مثل توماس الأكويني، لقد قاد ابن رشد الحفيد ما يساوي ثورة تنويرية هائلة قبل ظهور مصطلح التنوير بمئات السنين.

من خلال صوره كشف روبنسون عن أسطورتين حديثتين عن الإسلام هما: السلفيون المتشددون الذين يسيطرون على الخطاب الإسلامي في القرن الحادي والعشرين، يؤيدون النبي محمد بصفته مؤسس العقيدة الأولى التي ينبغي لكل مسلم أن يطمح في تكرارها، يرى المؤلف روبنسون أن الإسلام الذي تركه النبي غير متبلور وغير دقيق ومربك، وقد ظهر النزاع في المجتمع المسلم بعد موت النبي ليس فقط على تفاصيل القانون ولكن من يجب أن يحكم وكيف؟ خاضت السيدة عائشة زوجة محمد المفضلة مع صهره معارك ضارية حول الخلافة، كما كان الإيمان توفيقيًا بعمق: فقد توسع من خلال استيعاب تقاليد الشعوب التي انضوت تحت حكمه، لم ير الحكام الأوائل أي شيء يتعارض بين الوجود الإسلامي المستقيم وشرب الخمر، في كثير من الأحيان كانت نصوص التشريع -حسب روبنسون- متقلبة للغاية بحيث لا يمكنها الإجابة على الأسئلة الأساسية، جادل السياسي الأندلسي والمفكر الظاهري ابن حزم، على سبيل المثال ضد عقوبة الإعدام بسبب المثلية الجنسية قائلاً إنه لم يتم النص على أي شيء في القرآن على ذلك واقترح أن عشرة أسواط قد تكون أكثر ملاءمة كعقوبة، لكن بعد قرون فقط تحول الإيمان المحمدي إلى شيء يشبه الأرثوذكسية اليوم.

الأسطورة الثانية في نظر روبنسون غالبًا ما يطرحها المستشرقون: أن قبضة التشديد على العقيدة أدت إلى تراجع الإسلام الذي لا يرحم. في القرن العاشر، كتب أبو بكر الرازي الخيميائي والطبيب الفارسي كتابًا عن التحايل على الأنبياء، مؤكدًا أسبقية العقل على الوحي وسخر من الأنبياء على أنهم دجالون ورواة قصص، فقط دفاعه عن هذا السبب كان هبة من الله أنقذه من تهم التجديف (الزندقة في الأدبيات الإسلامية) في القرن التالي نشر البيروني ربما أعظم رواية عن الدين المقارن نقلاً عن الأمثال اليونانية والفارسية والسنسكريتية إلى جانب أقوال النبي، قبل خمسة قرون من دانيال ديفو كتب ابن طفيل قصة (حي بن يقظان) عن صبي نشأ في جزيرة صحراوية، يخلص كتاب ابن الطفيل إلى أنه يمكن دون الوحي أن يتطور البشر ككائنات عقلانية.

بحلول القرن الرابع عشر الميلادي؛ تحول مركز ثقل الإسلام إلى إسطنبول، استمرت أحكامه في جذب العلماء والفنانين البارزين في العالم وظلت في طليعة التطورات الطبية والتكنولوجيا العسكرية، بعد نوبة مألوفة من الدمار؛ بشر حكم المغول باستثمارات جديدة في العلوم، لا سيما المرصد الفلكي في القرن الثالث عشر في مدينة مراغة، التي عززت نتائجه البحثية نماذج كوبرنيكوس للكون. ظلت التعددية الثقافية وربما حتى الطائفية شكلا مألوفًا للحكم الإسلامي، بالتناوب بين الطوائف السنية والشيعية، شعر المغول بسلاسة ملحوظة، أحد وزراء المغول واسمه رشيد الدين كان يهوديا من أصل إيراني اعتنق الإسلام وقد قام بتجميع مستودع للباحثين العالميين بالقرب من تبريز في القرن الرابع عشر ووضعهم للعمل على تاريخ "بحجم صناعي" للعالم "خلاصة من سجلات عالمية، اتساعها الموسوعي هو عبارة عن مجموعة من النصوص المأخوذة من علماء عبريين (على ما يبدو ترجمها رشيد الدين نفسه) ورهبان كشميريين ومبعوثين صينيين، وربما أكثر روايات بوذا تعاطفاً في نص غير بوذي. 

على بعد أكثر من 2000 ميل في تونس كتب ابن خلدون تاريخًا اجتماعيًا تخلى فيه لأول مرة عن تكوين سجلات المحكمة واعتمد على فحص أسباب الأحداث التاريخية.

هناك بالطبع شخصيات أقرب إلى الرسوم الكاريكاتورية للأصوليين المسلمين المعاصرين، قام تقي الدين بن تيمية وهو قاضي وفقيه من القرن الرابع عشر في دمشق والإسكندرية بالانتقام من المغول بسبب تفضيلهم للشيعة وتطبيق قانون الياسة (مجاميع قانونية مغولية مختلطة من أديان وأعراف) وليس الشريعة وذلك ما يعتبر خطيئة، كما أعلن جعلهم مرتدين، وعندما أغفلت السلطات المملوكية السنية حادثة إهانة المسيحيين للنبي أثار غضب الغوغاء للمطالبة بقطع رأسه، لقد كان سلفيًا لاعبًا صغيرًا في وقته، لكنه ارتفع إلى مركز الصدارة اليوم حيث صنف تعاليمه جنبًا إلى جنب مع منهج النبي في المناهج الأساسية في المملكة العربية السعودية.
_________________________
• إعداد: نيكولاس بيلهام؛ مراسل شؤون الشرق الأوسط لصحيفة الإيكونوميست، وهو مؤلف كذلك لكتاب بعنوان "الأراضي المقدسة: نظام إسلامي جديد"، وشارك في تأليف كتاب "تاريخ الشرق الأوسط".

• ترجمة وتحرير: جزائريون من أجل الثقافات.


كان روبنسون سابقًا رئيسًا لمركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك (CUNY) وهو أستاذ التاريخ، عمل روبنسون وهو باحث مرموق في تاريخ وثقافة الشرق الأوسط؛ في أدوار قيادية في مركز الدراسات العليا لمدة عقد من الزمن، عمل أيضا كنائب رئيس من 2008 حتى 2013 ، عندما تم تعيينه رئيسًا للمركز.


الخميس، 18 يونيو 2020

فيرا لين: رحيل مغنية الحرب والسلام.

توفيت اليوم السيدة فيرا لين "Vera Lynn" التي باتت أغنيتها "سنلتقي مرة أخرى" نشيدًا للأمل والسلام خلال الحرب العالمية الثانية، عن عمر يناهز 103 أعوام.

وقالت أسرتها إنهم: "حزينون بشدة لإعلان وفاة إحدى أفضل الفنانات المحبوبات في بريطانيا" وقد ذكروا أنهم كانوا معها عندما ماتت في منزلها في شرق منطقة ساسكس.

أشاد بوريس جونسون بقوله: "سحر السيدة  Vera Lynn وصوتها الخالب أدهش ورفع بلدنا في أحلك ساعاتنا، سيعيش صوتها لمجد قلوب الأجيال القادمة"، بينما وصفتها قيادية بحزب العمال أنجيلا راينر  بأنها "سيدة جميلة سيفتقدها كل من يعرفها للأسف".

ولدت لين في ضواحي لندن في عام 1917، ونجت من حالة إصابة بالخناق عندما كان تبلغ من العمر عامين، وبدأت تجرب أداء الغناء في سن السابعة، حين بلغت سن 18 عامًا بدأت العمل مع أوركسترا في المملكة المتحدة، وأصدرت أول تسجيل فردي لها بعنوان: Up the Wooden Hill to Bedfordshire ، وذلك عام 1936 أثناء عملها في شركة شحن إيست إند.

خلال الحرب العالمية الثانية قدمت عروضا للناس الهاربين من غارات القصف في محطات مترو الأنفاق في لندن، وزادت شهرتها بين الجنود، حصلت على لقب "حبيبة القوات"، حيث قامت بجولة لقوات الاحتلال البريطاني في مصر والهند وميانمار ، التي كانت تعرف آنذاك باسم بورما.

وقد قالت السيدة لين لصحيفة الغارديان في عام 2017: "كان الغناء في الغابة مرهقا بعض الشيء ولزجًا للغاية، كان لدي القليل من عازفي البيانو ، حيث كانوا يتجولون على ظهر شاحنة ، على أمل أن ينجوا من الترحيل".

قام الكابتن توم مور ، المخضرم الذي جمع مؤخرًا 33 مليون جنيه إسترليني للمؤسسات الخيرية التابعة لـ NHS ، بالتغريد قائلا: "لقد كان لها تأثير كبير علي في بورما، وظلت شخصية مهمة بالنسبة لي طوال حياتي".

تعززت شعبية لين في زمن الحرب من خلال أغنيتها المميزة "سنلتقي مرة أخرى" التي تم إصدارها في عام 1939 وكتبها روس باركر وهوجي تشارلز، لحنها المثير للحنان وكلماتها المتفائلة بحزم - "أعلم أننا سنلتقي مرة أخرى في يوم مشمس" - أثبتت أنها تؤثر بقوة بالنسبة للجنود المغادرين، وقد حملت لقب الأغنية الحاسمة للحملة البريطانية، أعادت دخول الرسوم البيانية في المملكة المتحدة هذا العام برقم 55 وسط احتفالات الذكرى الخامسة والسبعين ليوم VE، كما استخدمها - بسخرية شديدة - من قبل المخرج ستانلي كوبريك في ذروة هجاء الحرب الباردة الدكتور سترانجيلوف.

تعد أغنية White Cliffs of Dover التي ترثي فيها لين الخط الساحلي البريطاني إحدى أغانيها الوطنية الدائمة الأخرى - التي كتبها والتر كينت ونات بورتون تم إصدارها في الأصل في عام 1942، الحزب الوطني البريطاني اليميني المتطرف (BNP ) ظهرت عليه واستخدم عنوانه لألبوم تجميع للأغاني البريطانية في عام 2009 - اعترضت لين واتخذت إجراء قانونيًا بشأن الإصدار لمنع استغلال أدائها الفني من قبل جهات متطرفة.

تصدرت كل من أغنية "سنلتقي مرة أخرى" و The White Cliffs of Dover في وقت مبكر جدًا قائمة الأكثر استماعا كما يؤكده الرسم البياني الذي يوضح إحصائيات متعلقة بالفن آنذاك، بل تصدرت لين إحصائيات المملكة المتحدة مدة أسبوعين في عام 1954 مع أغنيتها "ابني" My Son وهي أغنية صادقة من أم لابنها، كما أنها أقدم شخص وصل إلى قمة مخططات الألبومات في المملكة المتحدة ، وهو ما حققته بأفضل تجميع في عام 2009 ، متغلبة على حامل الرقم القياسي السابق بوب ديلان، وصل التجميع بمناسبة عيد ميلادها المئة إلى رقم 3 في عام 2017 - كانت بول مكارتني من بين أولئك الذين حققوا معلمتها البارزة قائلة في ذلك الوقت: "لقد أصبحت رمزًا للتفاؤل ولحياة أفضل قادمة، لقد نشأنا جميعًا على الإعجاب بها والاحترام لها".

جاء آخر أداء علني لها في عام 2005 ، في الاحتفال بالذكرى الستين ليوم VE في ساحة الطرف الأغر وسط لندن، قامت بأداء منتزع من أغنيتها "سنلتقي مرة أخرى" وصرحت الحشد: "هؤلاء الأولاد ضحوا بحياتهم وعاد بعضهم إلى المنزل بإصابات بالغة وبالنسبة لبعض العائلات لن تكون الحياة هي نفسها، يجب أن نتذكر دائمًا  يجب ألا ننسى أبدًا ويجب أن نعلم الأطفال أن يتذكروا".

تحصلت على عدةوتكريمات لعملها الخيري، حيث منحت اسمها التجاري لصالح مريضات سرطان الثدي والجمعيات الخيرية للأطفال المصابين بالشلل الدماغي.

كتبت فيرا لين ثلاث سير ذاتية - أحدثها بعنوان " بعض يوم مشمس" تم نشره في عام 2009.
____________________
• المصدر: الغارديان.
• ترجمة وتحرير: جزائريون من أجل الثقافات.



آسف على الإزعاج

بما أن الساحة الأدبية تسِعُ الجميع، ولا حكر لأديب على الآخر بايقافه أو منعه أو طرده حتى ما إن كان هشًا أو ركيكا أو ذو توجّه غير أخلاقي. وعلي...